عبر سديم النسر 06

This entry is part 6 of 37 in the series عبر سديم النسر

الفصل السادس:

غمرني ضوء باهر حين فتحت الباب المؤدي لمرسمي الجديد و انطلقت نحو انفي عشرات الروائح المختلطة بعضها الجيد و بعضها الآخر ليس جيداً على الإطلاق.

إلا لو كنت تحب رائحة البنزين و ألوان الأكريليك البلاستيكية!

امامي مباشرة كانت غرفة بيضاء الجدران، مغطاه أرضيتها بطبقة كبيرة من البلاستك الشفاف لحماية الرخام، يجلس في وسطها كرسيّ عالِ الاطراف امام حامل لوحات الكانفاس الفارغ. النافذة التي اراها امامي لم تكن مغطاه بأي ستائر مما جعل ضوء النهار ينسكب بغزارة على محتويات الغرفة راسماً ظلالاً حادة هنا و هناك، و على علب الألوان بأغلفتها الشفافة و ادوات الرسم التي وضعت بكل ترتيب على الطاولة الصغيرة في الزاوية و مربعات الكانفاس التي استندت على الجدار بجانب صوفا بيضاء. علت طبقة رقيقة من الغبار بعض الأكياس و الصناديق المصفوفة على أرفف حديدية خلف الباب، بعيداً عن مساحة العمل, لكنها كانت الأشياء الوحيدة المغطاه بالغبار في الغرفة مما يوحي ان مساحة العمل هذه لم تكن موجودة إلا منذ وقت قريب.

لقد وقعت في الحب.

كما لو كانت قدماي تستجيبان لتعويذة سحرية, وجدت نفسي متجهة نحو الكرسيّ المرتفع لاجد فوقه صندوقاً مغلفاً بأوراق هدايا زهرية اللون و شريطة حمراء من الحرير. أُلصِقت على الصندوق الصغير ورقة كُتب عليها “إلى سَــحَــر ♥.” بحبر أسود أنيق.

إنه من عمتي -والدة شهاب- دون شك.

داخل الاوراق الزهرية وجدت علبة تحوي هاتفاً محمولاً كذلك الذي يملكه شهاب -يبدو أغلى ثمناً عن قرب!- تحت الجهاز الأملس اختبأت بطاقة معايدة صغيرة كتب عليها بنفس الخط الأنيق: إصنعي فناً خالداً.

كم احب هذه المرأة!

انهمرت دموعي دون ان استطيع منعها، رغم خوفي الشديد من هذه الحياة الجديدة التي قفزت فيها دون تفكير فالسعادة التي غمرتني كانت حقيقية. اكتشفت لحظتها ان خوفي لم يكن لان الفتى كان مجهولاً; فأنا لم اتوقع ان اعيش قصة حب كسندريلا تنتهي بالزواج اصلاً. كان خوفي انني سأتزوج جداراً اسمنتياً يريد ان يحصل على روبوت مطيع يخدمه اثناء غيابه بحثاً عن مغامرات عاطفية في الخارج، او والدة زوج متشنجة تهاتفني كل يوم لتسألني إن كنت قد غسلت الاطباق او مسحت البلاط كما يجب.

لم اتوقع ان يقبلوني بصدر رحب هكذا، ولا ان احصل على هذا الكم الهائل من الحرية و الهدايا منذ اليوم الأول.

منذ بضع ساعات فقط كنت على وشك ان اصرخ في وجهه لانه احضر لي المشروب الخاطيء, لكن الآن…

رغم أن حلمي كان ان ارسم و حسب; في قبو مظلم في جزيرة مهجورة لوحدي. لكنني الآن وجدت انني -ربما- قد أريد مشاركة احلامي و آمالي مع هذا الفتى الصامت ووالدته تماماً كما كنت افعل مع أبي و اختي.

رغم الرعشة التي كانت سبباً في تراقص اطراف اصابعي استطعت رفع احدى اللوحات البيضاء إلى الحامل و غمست الفرشاة الجديدة في علبة طازجة من اللون الأزرق، ثم جررتها عبر الفراغ الكبير دون تردد.

كذلك كان حلمي الصغير, شاسعاً، مترامِيَ الأطراف و ملوناً كالسماء.

و اليوم اخترق زرقتها نجم ساقط  بذيل من مفرقعات و قلبٍ من ذهب.

يتبع…

Series Navigation<< عبر سديم النسر 05عبر سديم النسر 07 >>