عبر سديم النسر 05

This entry is part 5 of 37 in the series عبر سديم النسر

الفصل الخامس:

لقد كانت المرة الأولى التي اسافر فيها على متن طائرة إلى اي مكان. كنت اريد ان اطلب كوباً من القهوة قبل الإقلاع لكن صاحب السمو قرر ان يشتري لي كوباً من عصير البرتقال و علبة من اللبان الخالي من السكر.

لقد كنت ارتدي نظاراتي الشمسية فلم ير النظرة القاتلة في عينيّ…

حنين ووالدي ودعاني في الفندق حين خرجنا هذا الصباح متجهين نحو المطار، و في اللحظة الاخيرة طلب مني والدي ان أستمع لكلام شهاب لانه ليس فقط اكبر مني بعام، بل اكثر مني خبرة في الحياة.

من السهل عليه قول ذلك، من سيسعد بالحصول على كوب من العصير عوضاً عن جرعه مضاعفة من الكافيين التي يحبها قلبي؟

حين قاربت الطائرة للهبوط و طلبت منا المضيفة ان نربط احزمتنا, وجدت ان تصرفات هذا الفتى لم تكن لإثارة حنقي و اضطهادي فتغير مستوى الضغط في الطائرة جعل الاطفال من حولي ينخرطون في سيمفونية من الصراخ المتزامن و بعض البالغين بدأ يشعر بالغثيان مما جعل المضيفه توزع قطعاً من اللبان قائلة “مضغ شيء ما سيخفف من الشعور بالدوخة.”

حسناً, يبدو ان عليّ الاعتراف بخبرته في أمور السفر على الاقل…

انتهينا من اجرائات الدخول بعد ان اضطررت لخلع نظاراتي الشمسية لموظف الاستقبال، لم اشعر بالراحه لترك غطاء وجهي في البيت, لكن الوضع هنا مختلف و من ترتدي النقاب ستتعرض للإزعاج…

كان سائق سيارة الاجرة مزعجاً بثرثرته السريعة و اسئلته الزائدة, لكن فضوله لم يزدني إلا شوقاً لهذه الدولة الغريبة. شوارعهم مرصوفة بالازهار و الحيوانات الأليفه تسرح دون خوف على الارصفة.

توقعت ان ارى نسائاً شبه عاريات كما يصور لنا التلفاز لكنني صدمت بحقيقة ان الجميع هنا يرتدي الجينز و الاقمصة الملونة. لقد اعتراني شعور غريب حين نظرت إلى الشارع من أوله لآخره لأجده خالِ من العبائات السوداء…

في زاوية صغيرة من قلبي, تمنيت لو ارى ولو واحدة.

“Take a right, here.” كان الصوت ينتمي لشهاب لكنه اجفلني. لم اتوقع ان نطقه الانجليزي كان ممتازاً لهذه الدرجة، تماماً كما لو كان ناطقاً اصلياً. “لا تنسيّ اغراضك.”

“طبعاً.” نزلنا امام مبنى ذو عدة طوابق مليء بالنوافذ و بعد ان اقتلع شهاب حقيبتي الكبيرة من صندوق السيارة اخذني لداخل المبنى. كان المدخل عادياً و نظيفاً لكن صراخ بعض الاطفال خلف الابواب اثار رعبي. لقد اعتدت العيش في بيت يلفه الصمت طول اليوم و فكرة السكن في مبنى للشقق العائلية كانت مثيرة للقلق، هل هؤلاء الاطفال يتعرضون للتعذيب خلف تلك الابواب يا ترى…؟

ركبنا المصعد لنصل إلى شقتنا في الدور الرابع، الباب الرابع على اليسار. بابها الخشبي الصقت عليه لوحة تحمل الرقم 404 مما اثار ضحكي مباشرة.

“انها مفقودة.” اشرت إلى الرقم بإصبعي لكن الفتى العبوس لم يبتسم حتى. الا يعرف اي شيء عن صفحات الانترنت المفقودة؟ يا إلهي… “never mind…”

فتح شهاب الباب لكنه وقف هناك لوهله ناظراً إلي. “تتحدثين الإنجليزية؟”

“بالطبع, كيف سأرسل معلوماتي إلى الجامعة و اتواصل معهم لو لم اكن اعرف؟”

“لم تخبريني بذلك مسبقاً.”

“أنت لم تسأل.” لم يبتسم لكنني لاحظت الارتياح على وجهه. لربما كان قلقاً ان زوجته المصون ستكون فتاة أحادية اللغه لا تفهم نكاته الاجنبية؟

الآن عرفت قيمة مشاهدة الافلام الاجنبية طوال فترة مرهقتي!

“تفضلي بالدخول.” اضاء الشقه و ترك الباب مفتوحاً لي لأدخل ريثما يخلع حذائه.

في اللحظة التي عبرت فيها من فتحة الباب صفعتني في وجهي موجة منعشه من الهواء البارد المشبع برائحة حديقة خضراء. كانت الصالة صغيرة نوعاً ما لانها كانت مفتوحة على المطبخ، توجد مكتبة كبيرة مليئة بالكتب المتراكمة في احد الاركان، يجلس فوقها أصيصان من الازهار الملونة و يعلو كل ذلك وحدة تكييف مركزية يتم التحكم بها الكترونياً.  في الزاوية الاخرى تجلس شاشة عرض ضخمة امام كنبة واسعة زرقاء اللون كالسماء. الأرض الرخامية اختفت تحت قطع من السجاد المزخرف بالوان فاقعه حديثة، مختلفة تماماً عن النقش الفارسي الذي اعتدت على رؤيته في بيتنا. لم يوجد امامي سوى ثلاثة ابواب مغلقة. “ماذا يوجد خلف تلك الابواب؟”

وضع شهاب الحقائب على الارض وارتمى في احضان الصوفا الاسفنجية ليكتب بحماس شيئاً ما على شاشة هاتفه المحمول. “انظري بنفسك.”

الباب الأول كان ، كما توقعت, دورة مياه. ما لم اتوقعه هو ان يكون هذا الشاب قد استطاع الحفاظ عليها نظيفة و بيضاء تماماً. علب الصابون كانت نصف ممتلئة و الدرج المختبيء خلف المرآه احتوى على بعض الأدوية و الضمادات و علبة للإسعافات الأولية. الغرفة التالية جعلتني اشعر كما لو كنت اليس في بلاد العجائب، مساحة ارضية واسعة تحتضن في احد اطرافها سريراً منخفضاً ذو غطاء ازرق ووسائد بيضاء. كانت الستائر الثقيلة داكنة اللون مطرزة بالأبيض في اطرافها في تناسق تام مع السجادة ذات اللون الأحادي التي غطت أرضية الغرفة تماماً. تلونت الجدران بالأبيض الناصع الذي استجاب للإضاءة الصفراء فبدا كالصحراء لحظة شروق الشمس.

تعلقت رائحة لطيفة في المكان هي خليط من الازهار و عطر لا استطيع تحديد ماهيته بالضبط.

في احدى الزوايا جلس مكتب ذو سطح جلدي مخصص لكتابة المستندات، لكن لم اجد  عليه  اي من الادوات المكتبية المعتادة. ربما شهاب يضع حاسوبه المحمول هنا في الايام التي لا يسافر فيها…

بالحديث عن الحواسب المحمولة… أين سأضع حاسوبي؟

“هل اتصلتِ على والدك؟” ناداني الفتى من الصالة. “أخبريه اننا وصلنا بالسلامة.”

اردت ان اصرخ فيه “لا تقطع حبل افكاري!” لكني تمالكت اعصابي في اللحظة الاخيرة. “و أنت, هل اتصلت بوالدتك؟”

“ارسلت لها رسالة حين كنا في سيارة الأجرة.” فجأه و دون انذار مسبق, وجدت الفتى يقف متكئاً على الباب المفتوح. “هل رأيت غرفتك؟”

هاه؟ “لدي غرفتي الخاصة؟”

تحرك شهاب نحو الباب الأخير الذي لم افتحه بعد. “ليست غرفة نوم لكنها لكِ. هذه الغرفة كانت مخزناً طوال العام الماضي فاقترحت والدتي ان اجعلها مساحتك الخاصة للعمل.” أدار المفتاح في الباب لكن لم يفتحه لي. “قد تكون مغطاه ببعض الغبار فانتبهي. أنا سأذهب لشراء بعض الحاجيات من مركز التسوق، ماذا تريدين ان تأكلي؟”

مزاج هذا الفتى اثار اعصابي… في لحظة واحده اجده يلقي الأوامر كما لو كان سيدي الأعلى، و في اللحظة التالية يسألني بكل لطف إن كنت اريد تناول الطعام… “اي شيء ما عدا اللحم الأحمر.”

انفرجت شفتاه للحظة في ابتسامة سرعان ما اخفاها بالنظر نحو الساعة المعلقه على جدار الصالة. “لا نستطيع اكل اللحم الأحمر هنا على اي حال. قلةٌ هي المحلات التي تذبح الابقار الحلال.” أوه… صحيح… “لن أتأخر.”

حين اغلق الباب الخارجي خلفه خلعت حجابي و عبائتي و ادرت مقبض الباب لتلك الغرفة التي ستكون بيتي و مرسمي للأربع سنوات القادمة.

يتبع…

Series Navigation<< عبر سديم النسر 04عبر سديم النسر 06 >>