عبر سديم النسر 04

This entry is part 4 of 37 in the series عبر سديم النسر

الفصل الرابع:

 لم أستطع النوم أغلب الليل, ربما لانني شربت ثلاثة اكواب من القهوة, او ربما لانني لم اشعر بالأمان الكافي للاستغراق في النوم لانني لوحدي في غرفة مع فتى لا اعرف عنه شيئاً.

هو لم ينم ايضاً, امضى ليلته جالساً على الكرسي الوثير رافعاً قدميه على الطاولة. أطرق رأسه محدقاً بشاشة الهاتف المضيئة لساعات دون حراك حتى اغلق الهاتف نفسه بشكل تلقائي معلناً فقدانه للوعي قبل الفجر بربع ساعة…

ربما فقدتُ الوعي ايضاً, ربما نمت, لا ادري بالضبط, لكنني انتصبت جالسة فوق السرير الكبير حالما طلع الصبح معلناً بدء اليوم الذي انتظرته على أحر من الجمر!

اليوم سأسافر إلى أوروبا!

اليوم سأطير إلى الحديقة الغناء المحاطة بأنواع لا متناهية من الازهار التي تنتظر من يرسمها!

سأشتري آلاف اللوحات الفارغة و اقضي يومي كله في محاولة ملئها!

و غداً تبدأ الدراسة!

سأدرس ما احبه اخيراً!

أكاد لا اصدق انني اشعر بالشوق لدراسة شيء ما -أي شيء!- فأنا لا اتذكر آخر مرة شعرت فيها بالحماس لشيء يحتوي على كلمة “دراسة” …

مبتعثات أخريات على الشبكة اقترحن ان ادرس في جامعة محلية اللغه العربية او التاريخ -شيء مثير للملل- حتى يأتي فارس الاحلام، لانه سيحطم جميع آمالي على اي حال. “لِمَ تحلمين احلاماً كبيرة و مستحيلة؟” هو ما كتبته لي احداهن.

“لانني لست انتِ،” هو ما اردت قوله, لكنني كنت قد تعرفت على أم شهاب في ذلك اليوم و لم اعد لمنتداهن السخيف ذاك مرة اخرى.

نزلت من فوق السرير العالي بهدوء، محاولة استراق نظرة لهذا الرجل الذي لم اتخيل في يوم ما انني سأجد مثله في هذا العالم. في الحقيقه لا ادري مالذي كنت سأفعله لو انه اخبرني “لن تذهبي للدراسة في الخارج خوفاً عليك من الانحراف.” او “انا لدي زوجة و ثلاث صديقات و لا مكان لك بينهن.”…

ربما كنت سأضربه على رأسه بمنفضة السجائر, او لملمت فستاني المنتشر و خرجت راكضة في اروقة الفندق بحثاً عن اختي…

حين نظرت إليه عن قرب وجدت ان وجهه ليس سيئاً مطلقاً. لم استطع النظر في عينيه بالأمس خجلاً من نظرته المباشرة, لكن حينما يرقد بسلام بعينين مغمضتين, استطيع تجاهل دقات قلبي المتسارعة و التعرف على ملامحه كما اريد.

 هذا الفتى عادي تماماً في كل شيء، بشرته سمراء تميل للبياض و شعره الأسود يبدو مسرحاً للخلف مما يوحي انه اطول مما يبدو عليه.  شاربه الأنيق كان ليبدو لطيفاً لو كان على وجه شخص آخر لكن ما جذبني حقاً هو رموشه الطويلة.

 لم يرزقني الله باي صفات خارقة الجمال في وجهي, لكن لو كنت استطيع إضافة شيء ما, لكنت اضفت رموشاً أطول.

منذ الآن بدأت اعتقد انه اوفر حظاً منّي, أعني, لقد كان يخشى ان يتزوج فتاه تغدقه بالهدايا و تهيم به حباً, أليس كذلك؟ الم يكن يتمنى فتاة مثلي لا تهتم لصغائر الامور و تفضل البقاء بعيداً عن الدراما العائلية؟

إنه حقاً محظوظ بي, هذا الفتى…

إنه ينظر إلي…

لحظة… إنه ينظر إلي…!

“ألن تغسلي هذه اللوحة الفنية عن وجهك؟” عيناه السوداوان كانتا شبه مغمضتين…

لم احاول التفكير في إجابة ما بل جمعت اطراف ردائي و هربت مسرعة نحو دورة المياة.

 لربما كان محظوظاً بي، لكنه سيندب حظه حالما يرى وجهي الحقيقي…

وجهي الحقيقي… همم, حتى الآن لم يتضح لي انه يهتم بي كمخلوق بشري مؤنث, ربما لن يمانع ان يرى وجهي كما هو، ببشرته الغير صافية و حواجبه التي تنطلق في جميع الارجاء و الشعر الذي يرفض الإنصياع لأوامر المشط…

لربما كان هذا الرجل الذي لا يريد مني سوى ان اخبر والدته “كل شيء على ما يرام!” و اعيش كما اريد دون تدخل منه هو الافضل لي!

سأستطيع العيش دون استعمال تلك العلبة الكبيرة من مساحيق التجميل التي اهدتني اياها حنين! سأترك شعري دون تسريح لايام متتالية دون شكوى من احد! سأغلق على نفسي الباب في غرفتي و ارسم حتى تدمي اصابعي و افقد الوعي من الارهاق!

لن استحم  حتى احتـ

لا لا..

الاستحمام لا بد منه…

انتهى الفصل الرابع.

Series Navigation<< عبر سديم النسر 03عبر سديم النسر 05 >>