عبر سديم النسر 03

This entry is part 3 of 37 in the series عبر سديم النسر

الفصل الثالث:

“السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.”

أظنني أتعرض لتنويم مغناطيسي او ما شابه… أستطيع ان أرى نفسي في المرآة, استطيع ان أسمع تحركات الفتى في أنحاء الغرفة و صوت قماش ناعم ينزلق على ما هو أنعم, لكنني لا أجد القوة في جسدي المرتعش لأنظر إليه مباشرة.

“رد السلام واجب…”

صوته لا يهتز على الاطلاق! لا يبدو هذا الفتى متوتراً او منزعجاً مما حدث للتو. الا يشعر بالغرابة لكونه أصبح أعزباً و أمسى متزوجاً؟ الا يشعر بالضغط النفسي الهائل الذي يشعر به كل من يدخل السجن؟

اقصد القفص؟

القفص الذهبي او العاجي أو لا اعرف ما يسمونه…

“و- و عليكم السسلام و رحمة الله و بـ بركاته.” بلعت ريقي و تمنيت من اعماق قلبي ان هذا الفتى أعمى… لكن هيهات! استطيع ان أشعر بنظراته تتجه نحوي, على ظهري الذي يكاد يكون مكشوفاً بالكامل, على الفستان الكبير الذي اسحبه سحباً حين اريد السير هنا او هناك و على كومة الشعر المصففه فوق رأسي لتبدو كعش طائر النسر الذي يسكن جبال امريكا الشمالية…

زفر الفتى بهدوء ولم يحاول سؤالي عن سبب تجاهلي التام له. “الوقت متأخر, أتريدين دورة المياه؟ افكر ان آخذ حماماً سريعاً قبل النوم.”

“لا.” لم ارد التفكير في الحمامات او النوم او اي شيء آخر…

اريد العيش لوحدي في قبو بيت مهجور على جزيرة مجهولة, لا يحيط بي سوى البحر و لوحات الكانفاس الفارغة و براميل من الالوان الزيتية!

يالله الجنة…

“إ- إذن انا سأنام الآن…” دعه يأخذ حمامه, سأحاول بالنوم حتى يحين موعد رحلتنا في الغد. اعرف انني لن انام الليله لان الغرفه لا تحتوي إلا سريراً واحداً, لكنني سأتظاهر بذلك!

“أسمعي…” بدا صوته غاضباً حين تحركت من امام المرآه و نحو السرير المزخرف ببتلات الازهار الحمراء و الوسائد المخملية.

“همم؟” لم اقصد ان اهمهم, لكن هذا هو الصوت الوحيد الذي استطاعت حنجرتي الاتيان به. رفعت عيناي محاولة القاء نظره على وجهه الغاضب, لكنه لم يكن ينظر إلي… بدا مهتماً أكثر بمصارعة الازرار الصغيرة على كمِّ ثوبه محاولاً ادخالها عبر الفتحه الضيقة دون جدوى.

 لقد خلع البشت، ايضاً، إنه مرمي على الكرسي الذي كانت تجلس عليه اختي منذ دقائق. على الطاولة يقبع شماغه الابيض و هاتف محمول -يبدو غالِ الثمن!- و سبحة بيضاء. و فوق كل ذلك كله كان عقاله الاسود الذي يبدو جديداً.

لماذا خلع هذا الفتى أفضل ملابسه قبل ان انظر إليه؟ اليس من الغش ان يراني في كامل حلّتي و لا يسمح لي برؤيته لخمس دقائق في افضل حالاته؟

أو ربما هذه ليست افضل حال لأي منا… ؟

أليس على الرجال التعرض لمصففات شعر او مواد حارقه للبشرة, على الاقل؟

يا لهم من محظوظين…

“مالأمر؟” رفعت صوتي قليلاً عله يفهم انني استطيع الحديث باللغة العربية, رمقني بنظرة غريبة لم افهم منها سوى أنني سأعيش في جحيم دائم للأربع سنوات القادمة حتى اتخرج.

“لا تخبري احداً, ولا حتى والدتي.” غير الفتى رأيه في الذهاب لدورة المياه و خطا نحوي. اظنني أخفته حين بدأت بالشهيق و الزفير بصوت مرتفع مما جعله يقف على بعد بضعة اقدام لا يتعداها. “في الحقيقة… لم ارد الزواج منك مطلقاً، لا انت ولا غيرك. حياتي كانت مستقره لوحدي, لكن والدتي لا تريدني ان ابقى كذلك في الخارج ولا اريد ان اكون إبناً عاقاً…” صمت قليلاً ثم اعاد التفكير فيما كان يقوله قبل ان يضيف, “حقيقة انك ستدرسين معي في نفس الجامعة اتت في الوقت المناسب، لن تجدي الوقت لإزعاجي بسبب المشاريع الكثيرة التي ستحصلين عليها و سأكون موجوداً لو احتجت لمساعدة في اللغة الانجليزية. لست اقول انك فتاه سيئة او انني اريد الانفصال, لكن لا تتوقعي مني ان اكون فارس الاحلام الذي تتمناه كل فتاه… باختصار، انا سأعيش لوحدي و انتِ لوحدك، لكننا سنسكن في نفس الشقة، طيب؟”

يالله…

هذا الفتى…

إنه تماماً ما كنت أتمناه!

انتهى الفصل الثالث.

Series Navigation<< عبر سديم النسر 02عبر سديم النسر 04 >>