عبر سديم النسر 02

This entry is part 2 of 37 in the series عبر سديم النسر

الفصل الثاني:

ام الركب.

انها الإسم الغير فصيح للشعور الذي يعتريك حين تكون متوتراً جداً، فتسري في جسدك رعشة شديدة طويلة الامد. لا يمكنك ان تعرف متى ستنتهي هذه الحالة، و تشعر بالإحراج لانك تشعر بالبرد في عز الصيف في دولة تبلغ درجة حرارة الجو فيها الاربعين فما فوق.

حنين جائت معي للفندق رغم انها ستذهب لحضور الحفل. لم احضر اياً منه طبعاً، لانني خرجت مباشرة من الصالون إلى الفندق، ذلك افضل فأنا لا اعرف ماذا يجب علي قوله لو اتت افواج من النساء لمباركتي و ازعاجي بحديثهن الفضولي.

انا متأكده ان والدة شهاب – هذا اسمه- مشغولة بما فيه الكفاية الآن في صالة الافراح ولا يمكنها التفكير بي على الاطلاق.

“هل أنتِ بخير، سحر؟” كانت ابتسامة حنين غريبه، كما لو كانت تريد الضحك لكنها تشعر بالأسى لما انا عليه من توتر شديد. “سيكون كل شيء على ما يرام، انا متأكده ان والدي لم يختره لك إلا لأنه رأي فيه شاباً صالحاً.”

إن كان فتىً صالحاً لِم لم يتزوج حتى الآن رغم انه امضى سنة كاملة في اوروبا؟ “همم…” لم افكر في الموضوع مطولاً لانني لم اهتم به كشخص، كل ما اردته هو ان اذهب للخارج لدراسة الفن…

والدته بدت لطيفة، ليست كأمهات الازواج اللاتي يظهرن على التلفاز بشفاههن المحمرة و عيونهن المجرمة، و قد بدت مهتمه حقاً حين حدثتها عن طموحي للدراسة في الخارج. ربما لو كنت سأسكن لدى اهل زوجي، لكنت قد احببتها.

زوجي…

هفف… حتى وقع هذه الكلمه على قلبي يثير تعاستي…

لا اريد زوجاً، اريد مرافقاً و حسب!

الجلوس هنا و التفكير في امور مرعبه لن يجعل الليله تمر بسرعة، علي ان افعل شيئاً ما لتضييع الوقت!

وقفت على قدمين مرتجفتين لانطلق نحو المرآه الكبيرة في الجهه الاخرى من الغرفة. كل شيء كان يضيء و يلتمع كما لو كان من محل متخصص في بيع الزجاجيات. الغرفه اصطبغت باللون الاصفر بسبب الإضاءة الخافته -يقال لها رومانسية- مما جعل وجهي يبدو شاحباً اكثر مما هو عليه.

رسامة التجميل اصرت على جعل وجهي مبالغاً فيه لانها تعتقد ان الرجل سيتذكر هذه اللحظة للأبد.

سيتذكرها، حتماً، لانني ابدو كمهرج قد غطس رأسه في سطل ماء بارد…

تباً لهذا البرد السخيف!!

“أبدو غبية.” اخبرت اختي التي كانت تجلس على الكرسي المخدد لتريح ظهرها. “لماذا سمحتُ لهم بالرسم على وجهي كما يريدون؟”

“لان وجهك لا يناسب التجميل الطبيعي.” رمقتني بنظرة ضاحكه. “هل تبكين؟”

في الواقع كان صوتي يرتجف دون سبب واضح. “لا.”

“هل انتِ خائفة؟” توقعتها ستضحك على خوفي الغير مبرر، لكنها كانت جادة تماماً في سؤالها.

“تقريباً…” لم اخبرها بالسبب  الحقيقي لقبولي بهذا الشاب، إنها لا تدري انني لم احادثه ولا مرة رغم انها اعطتني رقم هاتفه و بريده الالكتروني منذ البداية…

“لا تخافي، كل الفتيات يشعرن بالخوف في البداية، سرعان ما يصبحن هكذا.” وضعت يدها على بطنها الذي اخفته تطاريز كبيرة على فستانها الواسع. “لقد وعدت نفسي انني لن اعطيك نصائح الجدات، ولن اخبرك ان الطريق لقلب الرجل هو معدته، لكن هل تريدين نصيحه واحده على الاقل؟”

اطلقت زفرة خافتة و نظرت إلى وجهي الملون في المرآه. “تفضلي يا ست الحسن و الدلال.”

ضحكت حنين. “نصيحتي لك هي: تعرفي عليه قبل ان تحكمي. لقد واجهت الكثير من المشاكل لانني كنت استمع لنصائح صديقاتي عن الرجال و اطبقها على زوجي دون تفكير. بعد ان تركت العمل في المكتب اكتشفت انني لا اعرف من هو ولا كيف سأتعامل معه دون مساعدتهن. أتريدين الحقيقه؟ انه ليس نسخة مما لديهن، و نصائحهن لتضييق الخناق عليه لم تزدنا إلا بؤساً.”

إبتسمت لإنعكاسها في المرآه. “أنت الغبية التي استمعت لنصائحهن منذ اللحظة الاولى.”

قطبت حاجباها لكن لم تسنح لها الفرصة لإيجاد رد، فقد بدأ هاتفها المحمول بالرنين معلناً وصول اسطول سيارات الرجال للفندق.

“سأذهب الآن، سحر.” تحركت الفتاه الثقيلة نحوي و اعطتني حضناً لم ارد الفكاك منه ابداً. “سأكون في الجناح المقابل، لكنني سأقفل الباب ولا اريد رؤيتك إلا غداً صباحاً، أفهمت؟ ليس مسموحاً لك بالهروب.”

“حاضر.” لم اقدر سوى ان اشاهد ذيل فستانها الواسع يطفو بخفة على الأرضية الرخامية حين اتجهت للباب. “هل سيأتي ابي؟”

“لا اظن ذلك، كيف يمكنه ترك صالة الرجال وهو والد العروس؟ أعتقد انك ستقابلين شهاب فقط.”

هززت رأسي بالموافقه و استمعت لصوت الباب يغلق يهدوء. طقطق الكعب الذي ارتديه حين درت للخلف لأنظر في المرآه. الفتاه التي اراها امامي ليست أنا. هذا ليس وجهي و كومة القش الملتصقة بجمجمتي ليست شعري…

الفستان الابيض بدا كزهرة هيدرانيا مقلوبة رأساً على عقب، ضيقه من الاعلى و منتشرة بكثافة في الاسفل كاشفة عن جزء كبير من ظهري و ذراعي. جسمي ضئيل، يبدو كجسد كفتاه في الرابعة عشرة من عمرها، لذلك اختارت لي حنين فستاناً يبرز صدري و يخفي قصر قامتي. شعرت ببعض الضيق في البداية لانني لا استحق فستاناً جميلاً كهذا، لكن أن ارتديته حقاً لاول مرة … احببته! أحببته بشدة!

 ليس لأنني من يرتديه، بل لأنني اراه امامي على لوحة بيضاء، رداء ناصع البياض مليء بالمنحنيات، محاطاً بهالة من الضوء الخافت تصدر عنها رائحة عبقة من الازهار و البخور.

ارتعدت فرائصي حين ارتفع الإزعاج في الجهة الاخرى من الباب. تحمدت في مكاني حين دارت القبضة المذهبة و انسكبت الموسيقى و الاهازيج عبر فتحة الباب التي تزداد اتساعاً لتحتوي شاباً ارتدى ثوباً ابيضاً يعلوه البشت الاسود الذي لم اعتد ان اراه في بيئتي الطبيعية.

أغلق الباب و انتهت معه اصوات العالم الخارجي بسعادتها و أضوائها، و تضائلت معها فرصتي في الهروب من هذا المكان المخيف.

“السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.”

انتهى الفصل الثاني.

Series Navigation<< عبر سديم النسر 01عبر سديم النسر 03 >>