عبر سديم النسر 07

This entry is part 7 of 37 in the series عبر سديم النسر

الفصل السابع:

ايقظتني حرقة معدتي من غفوة لذيذة ووجدت نفسي اقاوم الجوع رغبة في الحصول على المزيد من النوم. رضخت للأمر الواقع بعد ما يربو عن الربع ساعة لانني ذلك النوع من الاشخاص الذي لا يستطيع العودة للنوم حين يصحو.

يبدو ان جسدي انهار على هذه الكنبة المريحة بعد ان امضيت ساعات طوال امام اللوح. العالم خارج النافذة كان لا يزال مضيئاً رغم انني استلقيت لارتاح في وقت العصر.

كم نمت؟ نصف ساعة؟ ساعة؟

لِم لم يوقظني شهاب؟ اكاد افقد الوعي من الجوع…

خطوت من فوق كومة الاكياس البلاستيكية المنتشرة على الارض لافتح الباب. لقد نويت ان افتحه بهدوء لكي لا اوقظه لو كان نائماً, لكني لم انتبه لموقع ادراج التخزين من الباب فانصفق بها بقوة.

ارتد صدى الضربة في انحاء الشقة كانفجار البارود في كهف ضيق. انتظرت قليلاً في صمت لأني كنت متأكده انه سيأتي صارخاً لا محالة، لكن الصمت لم ينقطع.

ألم يعد شهاب للبيت يا ترى؟

توجهت نحو الصوفا الزرقاء التي تجلس في منتصف الصالة و القيت نظره لكن لم يكن احداً هناك. احدهم وضع جهاز تحكم التلفاز على زاوية ورقة دفتر ليمنعها من الطيران بفعل هواء وحدة التكييف, كتب في اعلاها بالخط العريض: إلى الجميلة النائمة.

حاولت إخفاء ابتسامتي اثناء قرائتي للورقة, لكن سرعان ما تجمد الدم في عروقي حين وصلت لنهايتها…

“لا أدري إن كان عليّ إيقاظك ام لا, لكنك نائمة منذ الامس و اليوم صباح جديد. متى يجب عليك الذهاب لتسليم اوراقك للجامعة؟ سأترك لك رقمي هنا لانني ارى انك قد وجدت الهاتف الجديد. توجد بيتزا في الثلاجه و الشاي منذ هذا الصباح، لا تتأخري.”

لا اظنني اغتسلت بهذه السرعة في حياتي من قبل!

لففت حجابي بسرعة و خرجت راكضة لامسك بأول سائق أجره ليأخذني إلى الجامعة.

لقد نمت يوماً كاملاً!

لا أصدق انني نمت يوماً كاملاً!

لولا ان اوراقي كانت جاهزة في ملفها الاصفر المختوم منذ ما قبل الزفاف لما استطعت ترتيبها كلها الآن!

ادخلت الارقام التي سُطرت في اسفل الملاحظة اثناء جلوسي في السيارة ووضعت السماعة إلى أذني.

“شهاب! لِم لم توقظني! لقد تأخرت!”

كان صوته غريباً عبر السماعة, كما لو كان شخصاً لا اعرفه. أوه صحيح, انا بالكاد اعرفه… “أين انت الآن؟”

“في سيارة الاجرة!”

“لماذا تركبين سيارة اجرة؟!”

القيت نظرة نحو المرآه الأمامية لانظر في وجه السائق المشغول. “لأنني لا اعرف مكان مبنى الجامعة!”

زفر الفتى في اذني. “اطلبي منه التوقف فوراً و اعطِه ما يريد من مال.”

“هاه؟ لماذا؟”

“Just do it.”

اخبرت السائق انني اريد النزول و اعطيته المبلغ المطلوب قبل ان اصفق الباب و ازمجر في السماعة. “فعلتُ! والآن هل ستخبرني مالأمر؟”

“لا تحتاجين لسيارة لتصلي إلى الجامعة، سحر. ذلك السائق سيحصل على الكثير من المال لو دار بك في انحاء المدينة ثم اخذك للحي المقابل حيث تقع الجامعه حقاً.”

“هاااا؟!” لم اصدق ما كان يقوله لي هذا الفتى, هل كانت الجامعة قريبة لهذه الدرجة؟ إذن لماذا لم يقل السائق شيئاً…؟

 حين توقفت عن الكلام لبرهه و تذكرت وجه السائق العابس, كانت عيناه تستهزئان بي دون سبب واضح… “اين اذهب الآن؟” سألني شهاب عمّ ارى حولي من مبانِ او حدائق, فأجبت. “توجد مكتبة صغيرة خلفي اسمها (Book & Bread)…؟ عموماً يبدو البائع كبيراً في السن. أمم ايضاًً أرى مركز تموين…”

“أعرف هذا المكان. كل ما عليك فعله الآن هو ان تتجهي للأمام نحو التقاطع, الطريق الرئيسي الذي امامك سيأخذك رأساً إلى الجامعة. يبدو المبنى كقلعة قديمة من العصر الفيكتوري، ستعرفينه فوراً.”  لكن كيف تبدو قلاع العصر الفيكتوري اصلاً؟ ” لدي محاضرة الآن لذا لا تنسي تسليم اوراقك لدى… ماذا كان اسمه؟”

“بـيير, إنه فرنسي الجنسية.”

“نعم, ذاك. اراك لاحقاً.” ودون ان ينتظر مني كلمة اخرى انهى المحادثة.

نظرت إلى الارقام الكبيرة في زاوية شاشة الهاتف التي تعمل باللمس ووجدت انني لن اتأخر طالما كانت الجامعة قريبة لهذه الدرجة. استدرت للخلف و دخلت المكتبة لأنها كانت تبعث موجات ساحرة من رائحة قهوة سوداء فاتحه للشهية. لم اعتد على وجود الكتب بهذه الكمية امامي من قبل, و ربما لو لم اكن مهتمة بالرسم اكثر من القراءة لاعتبرت هذا المتجر جنتي في الأرض.

لماذا تعرّف شهاب على هذا المحل فوراً؟ هل يأتي هنا دوماً؟ هل يحب الكتب يا ترى؟

للتو لاحظت انني لا اعرف شيئاً عنه, ولا عن ما يحب و ما يكره ولا عن اهتماماته او دراسته…

لدي اربع سنوات لأتعرف عليه عن قرب, لم العجلة؟ “لو سمحت سيدي, أريد كوباً كبيراً من القهوة.”

يتبع…

Series Navigation<< عبر سديم النسر 06عبر سديم النسر 08 >>