عبر سديم النسر 08

This entry is part 8 of 37 in the series عبر سديم النسر

الفصل الثامن:

لا أعرف ما هو العصر الفيكتوري بالضبط، لكنني كنت أقف مشدوهة امام قصر من قصور قصص الأميرات التي كانت تحكيها لي حنين في صغري. بوابة القلعة الحديدية كانت مفتوحة على مصراعيها لمن يريد الدخول إلى الحديقه الغناء المحاطة بأشجار و أزهار من انواع مختلفة، تنتصف الحديقة نافورة رخامية على شكل تمثال اغريقي يسكب الماء من إبريق بين يديه. أحاطت بالقلعة بعض المباني الحديثة التي نفثت مداخنها دخان اسود كثيف و أخرى صدرت عنها اصوات تحطيم أو ورشة نجارة.

 السبب الذي جعلني اتردد في الدخول رغم اللوحة الضخمة التي تثبت ان هذه جامعة للفنون، هو مجموعة غريبة من الاشخاص –لا اعرف ان كانوا نساء ام رجال- ذو اصباغ داكنة على اعينهم و كمية كبيرة من جلد البقر و الافاعي تغطي اجزاء مختلفه من اجسامهم، لو لم اكن في الشارع العام لاعتقدت ان هذا المكان مخصص للتدخين.

 حين بدأ احدهم بالنظر إلي بشكل مثير للقشعريرة اضطررت لاستجماع عزيمتي و العبور من امامهم للدخول إلى الجامعة. رغم خوفي الشديد إلا انهم لم يحاولوا محادثتي او التعرض لي لكن اعينهم لم تزل تراقبني حتى اختفيت خلف النافورة.

الممرات لم تكن بأفضل من الساحة الخارجية التي غصت بالمزيد من الاشكال الغريبة، فالممر الذي اعبره الآن و المفترض ان يأخذني إلى قسم شؤون الطلاب، كان مزدحماً بمجموعة يرتدي افرادها فساتين منتفخة و قبعات ريش الطاووس. احد الفتيات كانت تنظر إلي عبر قناعها المزخرف اثناء انتظاري فوج من مصاصي الدماء (؟!) لإفساح الطريق.

لقد كنت ارتدي حجاباً و عباءة سوداء، عادية جداً، لكن يبدو ان ارتداء الملابس العادية في هذه المدرسة هو الشاذ!

طرقت الباب ذو اللوحة المذهبة التي حملت إسم الاستاذ بيير روسِل، و حين جائني الإذن بالدخول فتحت الباب. ما ان وضعت قدمي في الغرفة حتى اصطدمت بي فتاه ذات شعر اشقر طويل و احتضتنتي. صرخت الفتاة في أذني بلغة لا اعرفها لكن حين رفعت رأسي و رأيت الرجل الذي امامي يزفر بملل توصلت لفكرة ان هذه الفتاه ربما كانت كالآخرون، غريبة الاطوار و دراماتيكية اكثر من اللازم.

تركتني الفتاه و صفقت الباب خلفها بعد بضع كلمات اخرى. “أمم… هل اتيتُ في وقت سيء؟” أخبرته بالانجليزية.

“لا، طبعاً لا. لقد أتيتِ في الوقت المناسب، بدأت اسأم منها.” إبتسم الرجل خلف مكتبه و دعاني لتسليم الملف الاصفر الذي بدا مجعداً  بسبب إمساكي به بإحكام. لغته الإنجليزية التي غلبت عليها لهجتة الفرنسية كانت لطيفة، تماماً كما كانت عبر الهاتف حين اعلمني بقبولي قبل أشهر. لا يبدو بيير بأكبر من الثلاثين عاماً، شعره كان مسرحاً بشكل جانبي على جبهتة، بسبب صغر حجم نظاراته الدائرية بدت عيناه كنقطتان خضراوان وحسب. على الأقل إبتسامته كانت صادقة.  “سهر سليمان، صح؟”

“أمم، ليس سهر، بل سحر.” لقد نسيت ان حرف الحاء صعب النطق على الأجانب…

“هذا ما قلته! سهر، عزيزتي، لماذا لم تأتي قبل الآن؟ لقد أُغلق التسجيل للجداول منذ اسبوعين! لقد إخترت لك ما ظننتهُ مناسباً كبداية، لكن عليكِ اختيار المواد التي ستدرسينها بنفسك المرة القادمة!”

“حاضر.”

“ستدرين المواد التالية هذا الفصل: مباديء الرسم، نظرية اللون ، رسم الاجسام. أيضاً من المطلوب من كل الطلاب المبتعثين حضور دروس اللغه الانجليزية لمدة فصل واحد، سيكون بين الساعة الحادية عشر و الثانية عشر ظهراً لكن لن يكون معك سوى طالبين او ثلاث. تبقت مادتين لم اعرف ماذا اختار لك فوجدت شاغراً لتاريخ الفن و بالصدفة وجدت لك مكاناً في حصص صنع الفخار.” كلما ازداد عدد المحاضرات كلما اسرع البرد بالسريان في اوصالي. هل سأدرس كل هذا دفعة واحدة؟! “ستتكفل دولتك التي ابتعثتك بمصروفات الدراسة، لكن اي مصروفات اخرى لمواد الرسم و غيرها ستتحملينها بنفسك، طيب؟” يبدو ان الرعب على وجهي كان واضحاً، لأن بيير حاول الإبتسام و اعطاني ورقة مطوية كُتب عليها الجدول بخط جميل لكن صعب القراءة.

“حاضر.”

“كتبت لكِ اسماء المحاضرات و اسم المعلم و رقم كل قاعة. لا تقلقي، البداية صعبة دوماً لكن سرعان ما ستعتادين الامر!”

“شكراً لك، أستاذ بيير.”

ضحك الرجل الفرنسي بتوتر. “لماذا تتصرفين برسمية؟ انت كابنتي! إحم! والآن إنطلقي إلى محاضرتك الأولى، على ما اعتقد انها للاستاذ كارتر وهو  يكره التأخير.”

شكرته مرة اخرى و خرجت لاجد الفتاه ذات الشعر الأشقر تضع اذنها على الباب لمحاولة استراق السمع. “ماذا تفعلين؟”

انتصبت الفتاه واقفه و علت وجهها إبتسامه بريئة، كما لو لم تكن تحاول معرفة اسراري قبل ثلاث ثواني. “هل انتِ طالبة اجنبية؟”

هممم… في بلدي، الشخص الاشقر هو الاجنبي. “نعم.”

“من اين انتِ؟”

لم ارد اخبارها انني من السعودية، لا اريد التعامل مع اشخاص عنصريين هنا…

 لكن لحظة… بطريقة تفكيري هذه، ألستُ اتصرف بعنصرية ايضاً؟ “أنا من الشرق الاوسط.”

“دبي؟”

ضحكت رغماً عني. “من السعودية. تبعد عن دبي بضعة كيلومترات.” بضعة آلاف من الكيلومترات.

“أوووووه اعرفها! الدهران! لقد زاركم جدي قبل ثمانون عاماً! انا من ألمانيا، إسمي هايدي فيلهايم لكن يمكنك مناداتي هايدي، تعرفين، كالشخصية الكارتونية التي تعيش في الجبال؟”

“أعرف هايدي.”

“رائع! هذا هو إسمي! و انتِ ما اسمك؟ ما هي محاضرتك الأولى؟ في اي قسم تدرسين؟ هل لديك صديق حميم؟ هل تحبين السجائر؟”

اغلقت الباب من خلفي بعد ان فشلت في إرسال نظرات استعطاف نحو الاستاذ بيير لأنه تجاهلنا تماماً. “إسمي سحر سليمان، و لدي محاضرة تاريخ. الآن عن إذنك، علي الإسراع!”

“تاريخ؟ تقصدين تاريخ الفن؟ اووه انا لا ادرس تاريخ الفن. هل تحبين تاريخ الفن؟”

يا الله، من اين ظهرت لي هذه الإنسانه الدبقة؟ حاولت الإسراع في الممرات بحثاً عن القاعة، لكن الفتاه التصقت بي كالعلكة. بعد ان وصلت لنهاية المبنى و لم اجد قاعة المحاضرة اضطررت للتحول نحو الفتاه ذات الشعر الاشقر المتطاير لأسئلها. “أتعرفين اين هي قاعة الاستاذ كارتر لتاريخ الفن؟ رقمها هنا ب25”

إتسعت عيناها الزرقاوان. “لديكِ.. أنتِ تدرسين عند الاستاذ كارتر؟ لماذا؟”

“وما يدريني؟ لقد اتيت إلى هذا البلد بالأمس و اليوم هو اول يوم لي في هذه الجامعة.”

و دون إنذار مسبق اغرورقت عينيها بالدموع و امسكت بيدي بشدة كأنما كانت تستعد لإخباري بحادث أليم. “أنا اتفهم شعورك! اتذكر حين جئت إلى هنا الفصل الماضي، كنت لا اعرف احداً و لا اعرف شيئاً!” سحبتني الفتاه بيدي نحو الجهة الاخرى من المبنى كما لو كنت دمية محشوة بالقطن، رغم قصر قامتها إلا ان هايدي قوية. “الاستاذ كارتر ديناصور، قديم، متحجر تماماً كالمبنى الذي تقام فيه محاضراته! سآخذك له لكن عليكِ قطع وعد معي ان تصبحي صديقتي!”

ضحكت بصوت مرتفع لأخفي عدم راحتي تجاه هذه الفتاه غريبة الاطوار. “لم اعتد تكوين الصداقات بهذا الشكل!”

توقفت هايدي في منتصف الممر و رغم ان ثلاثة فتيان يحملون تمثالاُ ثقيلاً كانوا يريدون العبور إلا انها لم تلقِ لهم بالاً. “في الحقيقة انا أدرس التسويق و اريد ان اعرف المزيد عن المنتجات و الإعلانات في بلدك. ايضاً، انتِ مثيرة للاهتمام بالنسبة لي و اريد ان اعرف المزيد عنك و عن هواياتك و ماذا تحبين و ماذا تكرهين، هل ستجاوبين عن كل اسئلتي التي سأطرحها لو لم نكن صديقات؟”

“أمم…هايدي…” لقد قررت هذه الفتاه اننا صديقات الآن دون ان تستمع لرأيي في الموضوع… عموماً، يبدو انها فضولية و حسب، فلأجاريها لاعرف ماذا تريد بالضبط و في نفس الوقت يمكنها ان تساعدني في التجوال حول الجامعة. “حسناً، كما تريدين.” هناك ايضاً فكرة ان جدها قد جاء للسعودية، مما يعني انها لن تبدأ بإلقاء النكات العنصرية او تستهزيء بحجابي.

اجفلني صوت تمثال كبير ينزلق على الارض الرخامية و يتهشم إلى اجزاء كبيرة.

إبتسمت هايدي إبتسامة واسعه جعلت عينيها الكبيرتين تتلألآن. “رائع! والآن دعينا نذهب لنقابل السيد ديناصور!”

 يتبع…

Series Navigation<< عبر سديم النسر 07عبر سديم النسر 09 >>