عبر سديم النسر 09

This entry is part 9 of 37 in the series عبر سديم النسر

الفصل التاسع:

 قاعة السيد كارتر كانت في مبنى آخر تماماً. اخذتني هايدي عبر دهاليز من الممرات المهجورة التي تشبعت برائحة عفن الخشب رغم ان جدرانها كانت من الطوب الاحمر شعرتُ كما لو كنت اعبر قبو السجون الذي دوماً يستعمله ابطال الافلام الانجليزية للهروب من القلعة.

هل يجري نهر خلف هذا المبنى يا ترى؟

“ها هي القاعه ب25!” أعلنت هايدي بصوت مرتفع رغم ان الممر لم يكن به احدٌ سوانا. “إستمتعي بوقتك! اوه صحيح! لم تخبريني برقمك او بريدك الالكتروني! هل ستعطيني رقمك؟ او بريدك الالكتروني؟ انا افضل البريد, لكن الهاتف ممكن ايضاً, إلا لو كنتِ تفضلين البريد انا أفضل البريد.”

“البريد أسرع.” على الاقل استطيع تجاهل رسائل البريد حين لا اريد الرد. “دعيني ارسله لك.” اخرجت هاتفي الجديد و بدأت باختيار الايقونات هنا و هناك لكني لم اعرف اين اجد الرسائل القصيرة. “ما رأيك ان نلتقي لاحقاً؟ سأتأخر عن المحاضرة لو ظللت اقف هنا!”

“كما تريدين.” مطت الفتاه شفاهها الوردية. “قولي لي من البداية انك لا تريدين اخباري. انا اتفهم, حقاً. لو كنتُ مكانك لما اعطيت نفسي بريدي الالكتروني لانني بالتأكيد سأزعج نفسي و انا انزعج بسرعه من الإزعاجات.”  ودون ان تترك لي مجالاً للرد, انطلقت لتركض في الاتجاه المعاكس نحو مخرج المبنى.

“سنلتقي مرة اخرى, و سأعطيك بريدي!” صرختُ بها عبر الممر الخاوي.

شعرها الاشقر المتطاير اخفى وجهها لكنها كانت تضحك بصوتٍ عالِ. ” هاهاهاهاها ناين ناين! لقد كنت أمزح! أنا تأخرت ايضاً! اوفيدازين!”

لم اعرف إن كانت تودعني او تشتمني, لكني تأخرت بما فيه الكفاية فدفعت الباب و دخلت و في ذهني انني يجب ان اذهب للتسوق قريباً لشراء جهاز ترجمة.

 كانت القاعة شبه خالية لان عدد الطلاب الضئيل كانت موزعاً على مقاعد متناثرة و الاستاذ ذو البطن المتدلية و نظارات القراءة الضخمة كان مقطباً حاجبيه. أنفه كان منتفخاً بشكل دائم كما لو كان يجد رائحة المكان مثيرة للقرف. “لقد تأخرتِ.” أخبرني بصوت رتيب ينم عن غضب هاديء.

“آسفه.” هممت بصعود الدرجات الواسعه لاجلس في مقعد ما, لكنه استمر بالكلام.

“همف, انتم هكذا دوماً تعتقدون ان الحياه بين يديكم و يمكنكم فعل ما تريدونه لان اي مشكله يمكن حلها بالإعتذار.” اغلق كتابه العتيق و رماه على المنصة، تطايرت كمية لا بأس بها من الغبار لكن احداً لم يلاحظ. “هذا لو كانت لديكم الكرامة التي تسمح لكم بالاعتذار.”

حاولت التظاهر بأني مشغوله بفتح دفتري و محاولة كتابة بعض الملاحظات, لكني كنت اكرر نفس الجملة لا استطيع التفكير في غيرها، لان هذا الكهل لا يريد ان يصمت. إنه اول يوم في الفصل الدراسي, لماذا هؤلاء الاشخاص يدرسون اصلاً؟ في بلدي، الدراسة الحقيقية لا تبدأ إلا بعد اسبوع او اسبوعين.

“تباً كم اكره العرب عوضاً عن التربية السيئة, إنهم لا يتحدثون الإنجليزية.”

هنا رفعت رأسي و فتحت فمي, و ليتني لم أفعل. “عذرا, أستاذ كارتر, لكنني استطيح التحدث بالإنجليزية بطلاقة. يمكنك سؤال السيد بيير عن سبب تأخري فقد كنت معه منذ قليل و لا اعتقد ان رغباتك الشخصية فيما تحب و ما تكره من ضمن اهتماماتي أو الحاضرين.”

إبتسم الرجل ذو الشعر الابيض و العينين الرماديتين إبتسامه مازحه لكنها بعثت القشعريرة في انحاء جسمي بسرعة البرق. “إذن تتحدثين الإنجليزية بطلاقة هذا رائع. لم يستطع الإستمرار بالدراسة اي طالب عربي آخر عندي، لذلك حاولي تخزين بعض هذا الإندفاع للأيام التي سندرس فيها فنـّكم الإسلامي البليد.”

الفن الإسلامي… بليد؟ “مالذي تعنيه؟”

عدّل الأستاذ نظارته و اعاد فتح كتابه, “أين كنا؟ في الصفحه 34 السطر السابع: الأغريق كانوا من اول المهتمين بالفن و الجمال و عبروا عن اهتمامهم عن طريق تبجيلهم لآلهة الجمال…”

التقت عيناي مع بعض الطلاب الذين سرعان ما تظاهروا بعدم الإهتمام و عادوا ليكتبوا في دفاتر ملاحظاتهم.

حين اخبرني بيير ان الاستاذ كارتر لا يحب التأخير, لم اكن اتوقع انه لا يحب التأخير بالإضافة لكونه يكره العرب و المسلمين… يالها من معلومة صغيرة ورغم ذلك نسي إخباري بها…

ماذا سأفعل يا ترى؟ الجداول قد رفعت منذ اسبوعين و لا يمكنني تغيير محاضراتي بعد الآن…

رغم انني احاول التركيز على ما اكتبه, إلا انه ينظر إلي كما لو كنت وجبة دسمة لا يطيق الإنتظار لتقطيعها إرباً ثم تناولها ببطء…

بالكاد اعرفه, لكنني اكرهه منذ الآن.

هذا الديناصور المتحجر…

يتبع…

Series Navigation<< عبر سديم النسر 08عبر سديم النسر 10 >>