عبر سديم النسر 32

This entry is part 32 of 37 in the series عبر سديم النسر

الفصل الثاني و الثلاثون:

 حين استيقظت في اليوم التالي وجدت أمامي لوحة متوسطة الحجم اعلاها بلون السماء و أسفلها بلون الدخان. عركت عينيّ لأرى بوضوح النقاط البيضاء و الزرقاء التي تناثرت بعشوائية في انحاء اللوح ثم تذكرت أنني من رسمها.

كنت أحاول رسم سديم النسر, لكن حين قارنت ما رسمته بصور السديم الحقيقي على الانترنت اكتشفت أن مستواي لا يسمح لي برسم النجوم إلا كبقع بيضاء على ظهر بقرة حلوب, دوائر كبيرة و خالية من الوهج… فارتميت على الأريكه و غططت في نوم عميق مليء بالأحلام الغريبة…

اللوحه ليست سوى فشل ذريع, لكن قد استطيع تسليمها لأستاذ نظرية اللون فهو يحب الخرابيش الخالية من المعنى طالما كانت مليئة بالألوان…

تمنيت لو أنني تغيبت عن محاضرة مباديء الرسم اليوم لأن الأستاذ يعتقد أننا مستعدون لرسم الجسم البشري بشكل واقعي.

واقعي…

لا أزال أشعر بالرغبه في الهروب و الإختباء في زاوية مظلمة من المرسم حين أتذكر الرجل الذي اختاره الأستاذ ليكون عينة الرسم. لحسن الحظ يبدو أن مشاعر الضيق لم تغمرني لوحدي فبعض الطلاب ابدوا انزعاجهم من فكرة رسم هذا الشخص دون ملابس لكن في النهاية لم يكن رأيهم ذو تأثير يذكر…

لقد اختبأت خلف لوح الرسم طوال الساعة المخصصه للرسم لكن هذا لن ينقذني من الحصص التالية التي سيفترض بنا رسم عارضات نساء و اشخاص كبار في السن و من يعلم ماذا أيضاً…

كنت أحترم استاذ الرسم جداً لكنه أصبح الآن عدوي اللدود…

لم أتوقع ان اضطر لرسم هذه الأشياء حين سجلت هنا!

والآن يجب علي تنفيذ خمس لوحات مكتملة لعارض من اختياري…

العارض الوحيد الذي استطيع إقناعه بالوقوف أمامي لساعات هو شهاب, و لا أظنني املك الشجاعه لأحدثه في الأمر بعد ما حصل ليلة الأمس…

هل لا يزال غاضباً مني يا ترى؟

أحياناً أتخيل أن هذه الحياة هي لعبة الكترونية و أنني سأستطيع العودة إلى نقطة سابقة لأصلح ما كسرته, لكن كلما اشتدت رغبتي في العودة كلما اصبح جلياً أنه مستحيل…

الشخص الذي اخترع زر التراجع عليه أن يعتذر للبشرية لتقديمه أوهاماً لا تتحقق في الواقع…

هففف…

كنت أجلس تحت الجدار الملون في الفناء لأنني لم أرد مقابلة مها عند النافورة ولا أظن ان ذهابي للمكتبه حيث يجلس شهاب سيعجب أي منا.

لا أحب الشعور الخانق الذي يذكرني كل دقيقة انني في خصام مع احدهم… حتى حين كنت اتناقش مع حنين بشدة في بعض الأمور لم يصل بنا الأمر لهذه المرحلة. لا أعرف مالمفترض ان افعله الآن, هل أعتذر؟

حتى لو اعتذرت لن يغير شهاب من موقفه تجاه الأستاذ.

هل استمر بالتصرف بغضب وامتنع عن محادثته حتى يضطر هو لذلك؟

لا أظنه سيفعل… فاليوم لم يترك لي ملاحظة كما كان يفعل دوماً ولم يرسل لي اي رسائل الكترونية… بل ربما نسي وجودي تماماً ولا ألومه على ذلك.

لو أن حنين ارغمتني على العيش مع رجل غريب الأطوار و مزاجي وكان ذلك الرجل يحاول التدخل في شؤوني دوماً, سأنفجر حنقاً و احاول التخلص منه بأي طريقة ممكنة…

والآن اصبحت قهوتي بارده…

أرتشفت بعضاً منها قبل أن أرميها في سلة المهملات و أتجه نحو محاضرتي التالية برأس مطأطيء و معنويات في الحضيض.

في نهاية اليوم جلست مع مها عند النافورة, يبدو أن جدولي سينتهي دوماً على ملائة عند الرجل الأغريقي بدفاتر الرسم و مجلات الأزياء المنتشره هنا و هناك و محادثة ذات مستمع واحد مع هذه الفتاة التي تتحدث عن أشياء لا أهتم لها حقاً… على الأقل اليوم استطعت تعليمها معاني بعض الكلمات الانجليزية الخاصة بتصميم الملابس و ساعدتها في نطق كلمات كتيب التعليمات الخاص بآلة الخياطة.

بعد لحظة طويلة من الهدوء رفعت مها عينيها لتنظر إلي, رموشها الطويلة كانت كالعارضات في المجلات. “سحر, ألا تشعرين أحياناً بالرغبة في الهروب؟”

“إلى أين؟”

سؤالها المفاجيء أجفلني, لم ألاحظ تفكيري المستمر بالأمر نفسه طول اليوم حتى قالته بصوت مرتفع.

“لا أدري…” هزت كتفيها و أصدرت صوتاً كالسعال او ضحكة مفتعلة. “أحياناً أفكر… هل سيختلف العالم لو لم أكن هنا؟”

ليس كثيراً… “هل حصل شيء ما؟ هل تشاجرتِ مع جواد؟”

إتسعت عيناها في دهشة. “كيف عرفتِ؟”

“لم أعرف, كنت اسأل. بدوتِ سعيده جداً بالأمس حين أتى لاصطحابك, لا شيء يمكنه تغيير ذلك إلا هو… ربما.”

أطلقت مها زفرة عميقة و تصفحت مجلة فساتين الزفاف بعينين سارحتين. “كما تعرفين الخادمة لا تستطيع البقاء هنا طويلاً لأن تكاليفها مرتفعة, و لأن دراستي تحتاج الكثير من الوقت للتصميم و الخياطة ثم الإعتناء بالمنزل, لا أستطيع إمضاء وقتي كله معه. بالأمس خرج من دروسه مبكراً لكني كنت مرهقه و لدي الكثير من الواجبات فلم اشعر بالرغبة حين دعاني للخروج معه إلى مطعم ما, استشاط غضباً حين اعتذرت عن ذلك لأنه لا يريد إمضاء وقت فراغه في مشاهدة التلفاز و تجادلنا حول الأمر مطولاً. في النهاية امضيت ليلتي في تصميم الفستان القصير الذي سلمته لأستاذي اليوم, و خرج هو ليتمشى مع اصدقائه ولم يعد حتى الفجر.”

إرتفع ضغطي قليلاً. “ولماذا يغضب؟ إنه هو من قرر الخروج من دروسه مبكراً. ثم إنك هنا لتدرسي, و إنهاء واجباتك المدرسية أهم من الخروج للتسلية!”

لسبب ما, مها وجدت أن نظرتي للموضوع خاطئة. “لكنه زوجي! إن لم أكن معه حين يريد ذلك, من سيكون؟! كان يمكنني التأخر عن تسليم الواجب, إنها فقط بضع درجات, صحيح؟ والآن جواد لن يدعوني للخروج إلى مطعم مرة أخرى ولا أدري إن كان سيحاول الإنتهاء من دروسه مبكراً لأجلي…”

شعرت بالأسى لأجلها لأن حياتها إما أزهاراً يانعه و تغاريد العصافير او امطاراً غزيرة و عواصف. “إنها المرة الأولى التي يطلبُ منك ذلك, يمكنك إخباره انك قد تكونين في مزاج أفضل المرة القادمة.”

زفرت مرة أخرى و كفكفت دمعة هربت من بين جفنيها المرسومين بإتقان. “أتمنى ذلك. إنها المرة الأولى التي نتشاجر فيها. أظنني سأعود للبيت مبكراً اليوم و سأصنع له عشاءاً فاخراً, ربما لو فعلت سيسامحني و ربما لاحقاً سأفاتحه في الأمر.”

“بالتوفيق.”

ودعتها حين جمعت اغراضها و ذهبت نحو البوابة الكبرى لتختفي في زحام الطلاب و السيارات, و في قلبي شعور مرير بالظلم. إنها فتاة متيمة بزوجها حبيبها, لكنه لم يهتم إلا لنفسه و ما أراده هو مع أنه يعرف أن تخصصها صعب و يحتاج الكثير من الوقت و التركيز. لربما كان يرى المحاماه عمل أصعب من تصميم الملابس, لكن توضيح ذلك له ليس من شأني…

رغم انني لا أوافق مها في الكثير من آرائها في الحياة إلا أنني بدأت أشعر بالعطف نحوها, فكلانا نتشارك التجربة الصعبة ذاتها وانتقادي الصامت لما يحصل لها ينبهني لأخطائي الشخصية.

هل عليّ صنع عشاء فاخر لشهاب لأستطيع النظر في عينيه مرة أخرى؟

تقلبت معدتي فجأه حين جلس أحدهم بجانبي و احتك كتفه بكتفي. كنت على وشك ضرب ذلك الشخص على أنفه بكراسة الرسم الثقيلة حين فتح فمه و تحدث. “Well this is a nice picnic.”

إبتسامته المترددة كانت قناعاً يحاول إخفاء التوتر في عينيه.

اختلطت الكلمات فلم استطع قول أي منها. أليس غاضباً مني؟ ألا يكرهني لإستيلائي على جزء كبير من مساحته الشخصية؟ ألا يشعر بالإهانة لأنني غاضبه رغم أنه لم يخطيء؟ ألن يبرر عدم اتصاله بي طوال اليوم؟ ألن يسألني لِم لم آتي للمكتبة اليوم؟

ضاعت فرصتي في الرد حين أطلت التفكير فأردف قائلاً. “أمم… هل نعود للبيت؟”

أومأت بالإيجاب لأنني لم اقرر بعد ما أردت قوله, لكن بعد ان جمعت أغراضي ووضعت حقيبتي على كتفي وجدت أنني لا أستطيع قول اي شيء. كنت سعيده و غاضبه في الوقت ذاته, أردته ان يفهمني لكني لم ارد إرهاق نفسي بالكلام فلن يفهمني أبداً. أردت ان اخبره عن مشروعي للاسبوع القادم الذي يتطلب جلوسه امامي لساعات لكن الآن لم يكن الوقت المناسب.

هربت الكلمات دون ان اجد الوقت الكافي لترتيبها, و ما خرج منها لم يكن يعني الكثير. “رأيتُ رجلاً عارياً اليوم.”

إمتقع وجهه للحظة, ثم قفز حاجباه حين استوعب الأمر و انفرجت شفتاه عن ابتسامه ساخرة حاول إخفائها بصعوبة. “أستاذ مباديء الرسم, صح؟” أومأت برأسي دون ان افتح فمي. “ستعتادين الأمر.” إتسعت عيناي في صدمة, توقعته سينهرني او يأمرني بالتوقف عن حضور الحصص او على الأقل يعطيني محاضرة دينيه…

“في الحصة القادمة سيحضر لكم امرأة, هذا هو اسلوبه الذي اتبعه في السنة الماضية.” ربت على رأسي بخفة ثم سرعان ما تلاشت ابتسامته لتحل محلها نظرة جادة بعثت القشعريرة في انحاء جسمي. “ألا تزالين غاضبة؟”

درستُ العشب تحت قدميّ. “لم أكن غاضبة, لكني لم أستطع محادثتك طوال اليوم.”

“عن ماذا؟”

استجمعت شجاعتي قليلاً قبل أن أجيب. “أعرف أنني ضيفة ثقيلة عليك و أحياناً أنسى ذلك… أعتذر لك عن نقاش الأمس الحاد, ليس من حقي أن أفرض رأيي و إن كان يعجبك جوار الأستاذ كارتر فافعل ما تشاء.” لا أحب صمته المطبق حين أضطر لتوضيح أمر ما لأنني لا أعرف ما يفكر به, و في نفس الوقت أحب ذلك لأنه يسمح لي بكل الوقت الذي احتاجه لإصطياد الكلمات. “قل ما تريد حتى لو لم يعجبني, لكن لا تتجاهلني تماماً…” لم استطيع السماح لنفسي بالبكاء في فناء الجامعه لكي لا يراني الجميع, ولسبب غامض جعلني ذلك اشعر بالشجاعة الكافيه لمقاومة الدموع.

“آسف.” قالها بكل بساطة و دون تبريرات.

الحمل الثقيل الذي كان يحكم قبضته على صدري تلاشى ووجدت نفسي اسحب نفساً عميقاً لأخبره المثل. “أنا أيضاً آسفة.”

إبتسم بخجل و حول نظره إلى المياه المليئة بالطحالب. “فلنذهب.” ودون ان يقول شيئاً آخر إتجهنا نحو البوابة معاً و عدنا إلى منزلنا.

“أستاذ الرسم طلب منا تسليم خمس لوحات الأسبوع القادم.” أخبرته حين بدلت ملابسي وخرجت من غرفة النوم لأجده في المطبخ. “طلب منا رسم عارض حقيقي.”

“لن تحضري رجالاً إلى مرسمك.” أخبرني بحزم ثم ابتسم حين تلعثمت. “يمكنك الغش, ليس عليك رسم شخص حقيقي إن لم تستطيعي ذلك. توجد الملايين من الصور على الانترنت.”

“صـ صحيح.” وجهة نظر مثيرة للإهتمام. وجدت أنه يصنع بعض الشطائر ففتحت الثلاجة لأساعده في توزيع شرائح الجبن و الدجاج المدخن على شرائح الخبز. “أو يمكنني رسمك أنت.”

نظر إلي نظرة غريبة. “أليس من الأفضل لو رسمتِ امرأة؟”

“ليس من الضروري أن يكون العارض دون ملابس. لا يستطيع الأستاذ إرغامي على ذلك لأني لا أزال في السنة الأولى. قرأت ملخص الفصل الدراسي بعد تلك الحصة ودروسنا لا تتضمن الجسم البشري بشكل دقيق.”

“وماذا عن السنوات التالية؟”

هززت كتفي بلا مبالاه. “سأتصرف. أو سأعتاد الأمر…” تماماً كما اعتدت على صور الأمراض و البرامج الوثائقية عن الحشرات. لو تعرضتُ لشيء ما بشكل متكرر سيصبح عادياً. “هل هذا هو العشاء أم تريدني أن أصنع شيئاً ساخناً لاحقاً؟”

أنهى صنع شطيرته و قضم منها قطعة كبيرة مضغها اثناء إنهائه لمهمة البحث عن العصير و سكبه في كوبين من الزجاج. “لا عليك, وعدت كارتر أنني سأحضر له العشاء كل ليلة طوال الأسبوع حتى تحضر مدبرة منزله الجديدة السبت القادم.”

رغم انزعاجي من السيد كارتر إلا انني لم أرد ان يشعر شهاب أنه يعمل وحيداً لمساعده الرجل العنيد. ” حتى لو كنتُ اكره ذلك الرجل, معك حق. الطريقة الأفضل لتغيير عنصريته الغبية هي ان يرى الإسلام على حقيقته.” راقبته بصمت حتى أعاد حاوية العصير إلى الثلاجة. “شهاب… نحن أصدقاء, صح؟”

أومأ برأسه موافقاً و انتظرني لأكمل.

لقد كان سؤالي ذاك و حسب, أننا لسنا كالغرباء, لكن اعترافه بتلك الحقيقة ببساطة و دون تردد أشعرني بالحاجة للإستطراد. “لا أحب كوني في خصام معك, لو اختلفنا مرة أخرى فلنتناقش في الأمر فوراً.”

“سيكون ذلك أفضل.” أغلق باب الثلاجه و خطا نحوي رافعاً يده نحو صحنه.

للمرة الثانية منذ التقيته وجدتني أضع أذني على صدره لأستمع لضربات قلبه بين أضلعه. وضع شهاب يديه الباردتين على كتفيّ للحظة قصيرة ثم ابعدهما كما لو لم يكن متأكداً مما عليه فعله.

“لست معتاداً على الأحضان.” رن صوته في صدره وتراقص شعري بفعل زفيره.

“ولا أنا.” ضحكت بتوتر ودفعت بنفسي بعيداً دون ان ارفع رأسي, ليس عليه رؤية الحرارة التي اندفعت إلى وجنتيّ. “لكن أحياناً…”

أحياناً أصاب بالجنون و أتمنى لو أشعر بدفء احدهم… ولو لثوانِ معدودة…

لفنا الصمت ووجدت أنه لا يزال ينتظرني لأنهي تلك الجملة حتى بعد أن امسكت بصحني و جلست على الأريكه أمام التلفاز. “أحياناً أجوع فلا أكون في كامل وعيي.” وجهت تركيزي نحو الشاشه و فعل هو المثل وأكلنا بصمت.

لا أظن أي منا يتذكر ما رآه على الشاشة…

يتبع…

 ———–

ملاحظة: أعتذر عن التأخير الشديد في كتابة و نشر الفصول, إجازة العيد أبعدتني عن جهازي و هذا الفصل يكاد يرفض الإنتهاء, أليس طويلاً بشكل مزعج XD؟
لا أدري ما مشكلة موقع فنافيت لكنني سأعاود نشر الفصول عليه حالما يعود بإذن الله, حتى ذلك الوقت أتمنى ألا يزعجكم عودتي لهذا الموقع مرة اخرى XD

Series Navigation<< عبر سديم النسر 31عبر سديم النسر 33 >>

One thought

  1. nooo الفصل ليس بذلك الطول D8!!
    اخخ دائما انقهر لما يخلص الفصل OTL تمر فترة بعدين اتشيك الموقع كل ساعة اتمنى فيها ان الفصل اللي بعده نازل OTL

Comments are closed.