عبر سديم النسر 31

This entry is part 31 of 37 in the series عبر سديم النسر

الفصل الواحد و الثلاثون:

كنت أنظر عبر الباب المفتوح إلى شقة مليئة بالفوضى, جميع قطع الأثاث كانت مغطاه بقماش لحمايتها من الإتساخ اثناء النقل, باستثناء أريكة رمادية اللون أمام تلفاز كبير. كان الرجل الكهل الذي أراه في حصص تاريخ الفن يجلس عليها كصورة من موسوعة العصور الوسطى, بقميصه الأبيض ذو الأزرار و بنطاله الأنيق ذو الحزام الواسع. رجليّ الإسعاف اللذان يفحصان علاماته الحيوية و يحاولان إقناعه أنه لا يتعرض لأزمة قلبية كانا كإضافة لاحقة بالفوتوشوب.

لم أرد المكوث هنا لوقت أطول لكن شهاب أقنعهم بطريقة ما أننا أصدقاء لهذا الرجل و نهتم لأمره و أن عليهم السماح لنا بالدخول.

يبدو ان هذا الفتى فقد عقله…

المزعج في الأمر ان السيد كارتر لم يحاول طردي و شهاب من منزله, بل على العكس بدا قلقاً لخوفه الشديد من ضربات قلبه المتسارعة. احضر له شهاب كوباً من الماء ولو لم أكن أعرف ان السيد كارتر و شهاب لم يلتقيا إلا لدقيقتين منذ عدة أيام, لاعتقدت انهما أب و إبنه.

أعطاني الفتى كوباً مشابهاً, قائلاً أن وجهي ممتقع.

لم أصدق ذلك فأنا لا أشعر بأي شيء تجاه هذا الكهل. “أنا بخير.”

“ليس عليك الوقوف هنا إن كان ذلك يخيفك.” أخبرني بهدوء, ربما كان يعتقد أنني سأفقد الوعي خوفاً من منظر ادوات قياس الضغط و عينات الدم, أو علبة الإسعافات الأولية المفتوحة على الأرض. هل نسي أني كنت سأصبح ممرضة لو لم آتِ إلى هنا؟

“لستُ خائفة لأنه لا يتعرض لأزمة قلبية. إنها نوبة توتر تتلو صدمته لوفاة زوجته.” إتجهت أنظار الجميع نحوي. “من المفترض أن تخبر الأطباء عن هذه الأشياء.”

“هل هذا صحيح؟” سأله أحد المسعفين. الألم على وجه السيد كارتر كان كافياً. “هل طلبت المساعدة من طبيبك النفسي؟”

“لا أحتاج أطباء!” صرخ الرجل العبوس في وجهه. “أريدك أن تقلل من سرعة نبضات قلبي وحسب! ثم اخرجوا جميعاً, لا أحتاجكم!”

“سيدي, أرجوك إهدأ قليلاً فالغضب لا يزيدك إلا تعباً.”

“إخرسوا!” رن صوته الأجشّ في انحاء الشقة لكنه لم يحاول طردنا بشكل عملي, بل بدا أن حالته في تحسن فوجهه الشاحب استعاد حيويته و يبدو أن انفجاره المزاجي ساعد في تهدئة ضربات قلبه بشكل كبير.

“ستكون بخير.” أخبره المسعف الآخر بعد دقيقة أخرى من الفحص. “سنرسل العينات إلى العيادة و ستتصل بك ممرضة المختبر لتعلمك بالنتائج, لكن يبدو أن الفتاه كانت على حق فلم تكن تتعرض لأزمة قلبية.”

“يالسعادتي.” غمغم الكهل و أزال قطعة القطن عن ذراعه لينظر إلى مكان حقنة سحب الدم. “شكراً على لا شيء.”

خرج المسعفون دون اهتمام لحالته المزاجية الصعبه و دون انتظار كلمات الشكر, يبدو أنهم معتادون على معالجه مرضى قليلوا التهذيب أو أن انشغالهم الدائم جعل المجاملات آخر اولولياتهم.

كنت قد تبعتهم لأخرج لكن تجمدت في مكاني حين سمعت ما قاله شهاب للديناصور. “هل تحتاج للمساعدة في أي شيء؟”

“لا, فقط اغلق الباب خلفك.”

كان من المفترض بشهاب أن يخرج غاضباً لحظتها, لكنه لم يفعل. “يدك محاطة بالجبس و قدمك مصابة, لا أقصد التدخل في شؤونك لكن يبدو لي أنك تحتاج لبعض المساعدة.”

رمقه السيد كارتر بنظرة حقوده تحولت نحوي بسرعة, كما لو كنت مسؤولة عن الجنون الذي يتلفظ به صاحبي. “لا أحتاج إلى مساعدة مراهقين صغيري العقل مثلكما. هل تظن أنني غبي, أنني لا أعرف ما تحاول فعله؟ لستم أول مسلمين أراهم في الخمسين عاماً التي عشتها. دعني أخبرك بشكل واضح: لا أنوي الإنتماء لدينكم المتحجر. حرام! حرام! عودي إلى المطبخ يا امرأة!”

كاد البركان في صدري ينفجر لولا أن شهاب أجابه ضاحكاً, “يااه, لم أسمع هذه الجملة منذ زمن طويل! عموماً العرض لا يشمل سحر فهي دوماً مشغوله, إن احتجت للمساعده في نقل الأثاث او صنع الغداء يمكنك طرق الباب و سأجيبك أنا.” دفعني الفتى للخارج وهمّ بتوديع الرجل.

“حسناً, إذن. أحضر لي العشاء الليله الساعة الثامنة, لا آكل الجزر و لا المعكرونة و لا أحب لحم البقر.”

“لا مشكلة, كنا سنتناول الأرز على أي حال.” أغلق شهاب الباب خلفه بهدوء و تبعني إلى صالتنا حيث وقفت في منتصف الطريق بينه و بين الأريكه الزرقاء.

“مالذي تفعله؟” حاولت الهمس خوفاً من أن يرتفع صوتي حتى يصبح صراخاً لكن صوتي خرج كما لو كنت أعاني من التهاب في الحنجرة.

“ماذا تعنين؟” سؤاله كان بريئاً, أكثر مما أستطيع استيعابه.

“تدعوه للعشاء و أنت تعرف أنني اكرهه!”

عقد يديه على صدره و نظر إليّ في دهشة. “إنه مصاب و يحتاج للمساعدة, هذه فرصتك الوحيده للظهور بشكل جيد أمامه.”

“لا أريد الظهور بشكل جيد امام احد! وفي الحقيقه لا اهتم كيف يراني ذلك الديناصور! نعم لقد كنت أشعر بالحزن لما حصل له لكن هذا لا يعني أنني سأعامله كفرد من العائلة!” خلعت الحجاب بعصبية و رميته على الكنبة مع حقيبتي. “أنت تمزح, صح؟ هل من المسموح ان نتناول الطعام مع أمثاله أصلاً؟”

اطلق زفرة قبل ان يبعد شعره عن عينيه و يتجه نحو الثلاجة. “بل أمثالك هم من يشوه صورة المسلمين في كل مكان. ليس عليكِ صنع العشاء لأحد, أستطيع الإعتناء بنفسي.”

تلاشى ذلك الشعور الحارق في أسفل حنجرتي في تلك اللحظة. تذكرت أن وجودي في حياة شهاب ليس سوى أمر طاريء, أنه لم يحتجني لأي شيء منذ أتيت بل أنا هي صاحبة الحاجة فلولاه لما وجدت من يرافقني إلى هنا.

لم يتزوج إلا ليرضي والدته…

كان سيفعل الشيء نفسه حتى لو كنتُ فتاة أخرى, حتى لو كنتُ احب السيد كارتر.

حتى لو لم أكن هنا.

إعتراني شعور بارد بالغربة, كما لو كان وجودي هنا خاطيء, كما لو كنت انتمي لمكان آخر…

كما لو كنت اريد العودة للبيت.

لا أتذكر كيف وصلتُ إلى هناك لكنني وجدت نفسي في المرسم, أمام لوحة نصف مكتملة و في يدي فرشاة كبيرة انغمست في لون بنيّ كالخشب.

هذا صحيح, أنا هنا لأرسم, لماذا عليّ الشعور بالذنب حين لا تتفق نظرتنا للحياة؟

لستُ سوى نزيل مؤقت في هذا الفندق و حين ينتهي حجزي سأخرج.

عقلي لم يجد مشكلة في استيعاب الأمر, لكن عيناي ترفضان التوقف عن لفظ الدموع لتسمحان لي بالرسم بوضوح.

كم هي بائسة حياة الرسام…

يتبع…

Series Navigation<< عبر سديم النسر 30عبر سديم النسر 32 >>