عبر سديم النسر 30

This entry is part 30 of 37 in the series عبر سديم النسر

الفصل الثلاثون:

جلست لأنتظر شهاب عند النافورة برفقة مها التي أحضرت معها مجلة خاصة بالأزياء و دفتر تصاميمها الخاص. أخبرتني أن زوجها قد أخذها للتسوق فاشترت الكثير من الأقمشة و المجلات لتبدأ بها دراستها, على الرغم من أن دفترها بدا غالِ الثمن إلا ان الرسومات في مجملها… حسناً سأعترف لكم, رسوماتها كانت سيئة.

التفاصيل ضاعت وسط الخربشات التي من المفترض ان تكون عينة للون القماش, و معظم الرسومات كانت لعارضات أطول من اللازم و أرشق من اللازم. انتقادي الصامت لرسوماتها للعارضات منعني من تقديم المديح لها, أظنها تعتقدني لا اهتم للملابس ولا وصيحات الموضة الحالية, فانخرطت في محاضرة طويلة عن أهمية اهتمام الفتاة الشابة بمظهرها.

“عليكِ أن تكوني جميله في جميع احوالك! حتى لو كنتِ على فراش الموت! لكي لا ينظر زوجك إلى فتاة أخرى!” أخبرتني مها بحزم, مرددة النصيحة التي سمعتها ملايين المرات من ملايين النسوة في بلدي.

“أليس من المتعب أن اكون جميلة في كل وقت؟” سألتها و أنا اعرف الإجابة مسبقاً…

“إنه متعب! لكنه أمر ضروري!” كانت تخبرني بالحرف: إنه عذاب و عليك الإستمتاع به. تماماً كجلسات الألم المتكرر الذي تعرضتُ له ليلة زفافي في سبيل إخفاء مسام وجهي القبيحة و تصفيف شعري المتقصف…

“إذن لماذا الرجل يمكنه الجلوس بملابس البيت دون قلق؟” لماذا على كل امرأه ان تقلق بشأن مغامرات زوجها العاطفية و ليس العكس؟

“هكذا هو الأمر.” قالت بوجه سعيد, كما لو كان امراً مسلماً به ولا يحتمل النقاش. ربما بالنسبة لها كان هكذا حقاً… “عموماً أنظري, هنا توجد مجموعة لطيفة من الملابس الحريرية عليها تخفيض رائع! ما رأيك ان نذهب في الايام القادمة و نرى ما لديهم؟”

“لا احب التسوق كثيراً…” إلا لو كان لشراء أدوات الرسم. “ثم أليس الحرير غالياً و صعب التنظيف؟”

النظرة على وجهها كانت تتسائل عن اهمية اي من تلك النقطتين. “لا تدعيه يتسخ!”

“مها, انا ادرس في قسم الرسم, كيف لي ان احتفظ بملابسي نظيفة؟!” حتى ما ارتديه تحت عبائتي الفضفاضه يتسخ احياناً, كيف تصل الالوان إلى هناك لا أدري, لكنها تفعل!

زفرت الفتاة ذات الشعر المستقيم و أعطتني تلك النظرة التي ترفض الأعذار الواهية. “إرتدي ملابس عادية عند الرسم, و حين تنتهين إلبسي ملابس جميلة!”

لكن! لكن! أنا لا انتهي من الرسم أبداً!

“حاضر.” كان ذلك كفيلاً بجعلها تنسى امر تعليمي دروساً في التحول إلى زوجة مثالية و عادت لتشرح لي تفاصيل الملابس بشغف. حين كانت تتحدث مها عن الخواتم الأنيقه كنت أدرس تفاصيل يد العارضة النحيلة وعظام أصابعها البارزة, حين قلبت الصفحة لتريني فستان زفاف كبير وجدت نفسي أدرس تفاصيل الستائر خلف العارضة و حين سألتني عن رأيي في تسريحة الزفاف المعقدة لم أعرف ما أقول فقد كنت أحاول حفظ تفاصيل عينيها الخضراوين لأرسمهما لاحقاً.

سرعان ما وجدت مها إجاباتي مثيرة للملل فجلسَت هناك في صمت لتقلب صفحات مجلتها حتى أتت النجدة. رن هاتفها الذي غطت قشرته الخارجية احجار ملونة تعمي الأبصار ببريقها, حين رأت مها إسم المتصل إمتلأ وجهها بالحياة و تلألأت عينيها في سعادة. فهمت من المحادثة القصيرة أن شخصاً ما ينتظرها عند البوابة الحديدية لانه لم يستطيع الدخول, يبدو أن مجموعة غريبي الأطوار كانت تحاول التقاط صور عن قرب للمارة, و ان عليها ملاقاته في الخارج لأنه لا يريد الإقتراب منهم.

“زوجي ينتظرني في الخارج!” أخبرتني بابتسامة واسعة وأسرعت لإدخال أغراضها في الحقيبة الأنيقة. شفتيها الباسمتين انفرجتا عن أغنية لا أعرفها. لا يمكنني تسمية ما أراه الآن سوى الحب.

إذن هكذا تبدو الفتاه حين تعشق… كالأميرة في الافلام المرسومة حين كادت تفقد حياتها, و بقبلة من محبوبها استيقظت من سباتها و عادت الحياة لما حولها واخذ العالم يرقص و يغني. هذه المرأه كانت التجسيد الحقيقي لكل ما ليس لديّ, جسم جميل و طويل, شعر سهل التصفيف, و الممارسة الدائمة لكل ما من شأنه الإحتفاظ بهذا الجمال. ملابسها دوماً أنيقه و حقائبها تتغير يوماً بعد يوم, و حين تتحدث عن زوجها الرائع فهي لا تجد منه إلا كل الخير.

إعتقدت أنني سأشعر بالغيرة, أو ان أكرهها لأنني لن أكون مثلها ابداً, لكني لم أفعل.

ربما لأنني أرى ان لكل شخص حياته الخاصة, و ان الله لن يحرمني من شيء دون ان يعطيني ما يساويه في المقابل… وفي نفس الوقت, أشعر أن الكآبة التي غمرتني طوال هذا اليوم هي سبب آخر في جفاف مشاعري اليوم…

“كيف يبدو شعري؟” سألتني بعينين مليئتين بالحيوية و رفعت يديها لترتب خصلات شعرها الناعم على وجنتيها. “هل تريدين مقابلته؟ لا يوجد الكثير من العرب في هذه المنطقة و من يعلم متى قد تحتاجين محامياً!”

“لا داعي لذلك…” لم أرد الإبتعاد عن النافورة لكي لا يعتقد شهاب انني سبقته للمنزل. “لا تدعيه ينتظر طويلاً.”

“لا تكوني خجوله فهو شديد الأدب!” أمسكتني بيدي و أخذتني نحو البوابة, حاولت ممانعتها لكنها لم تستمع او لم ترد تضييع الفرصة لتريني رفيق عمرها الوسيم المهذب الأنيق. “أوه, ها هو هناك!” لوحت بيدها حين رأته عبر الزحام في البوابة, و تركتني لتنطلق نحوه و تحييه بكل حماس.

أحد المصورين في البوابه وقف أمامي مباشرة ليسألني بلغة لا أفهمها إن كان يستطيع التقاط صورة, حين اجبته بالنفي أشار بيده نحو غطاء رأسي. زفرت لقلة صبري ثم اومأت برأسي له ان يقوم بالتقاط صورة بسرعة.

لم أستطع رؤية ما حولي بوضوح بسبب الضوء الخاطف الخاص بآلة التصوير الإحترافية التي استعملها الفتى, لكن حين أمسكت بي مها لتأخذني إلى زوجها, لم أحتج للنظر مطولاً في وجهه لأعرف من هو.

لقد كان الشاب الأسمر الذي لم ينفك عن مراقبتي في مركز التسوق منذ أيام…

“مرحباً, اسمي جواد, مها أخبرتني أنها أخيراً وجدت فتاة تتحدث العربية.” إبتسم الشاب و من الواضح أن وجهه يندرج تحت تصنيف الوسامة, لكن شيئاً ما في عينيه كان يصدر صفارات  الخطر في عقلي.

هل لأنني أعرفه مسبقاً و عليّ التصرف كما لو كنت اراه للمرة الأولى؟

هل لأنه يفعل المثل؟

هل هو ذلك الفتى أصلاً؟

يبدو مختلفاً قليلاً هنا, طريقة تسريحه لشعره و تعبير وجهه الجاد… ملابسه تجعله يبدو أكبر سناً لانه يرتدي حلة كاملة وربطة عنق كتلك التي يرتديها المحامون في الأفلام.

ربما كانا شخصين مختلفين…

“نعم, اسمي سحر.” أردت ان اذكر اسم شهاب أمامه فقد يستدرجه ذلك لإظهار ردة فعل تدل على انه ذلك الشخص, لكن صوتي رفض الخروج بشكل صحيح. “أنا أدرس الرسم.”

وقفت مها هناك تنظر إلينا في سعادة, إحدى يديها تمسك بذراعه و الأخرى على حزام حقيبتها الرقيق. “سحر هي التي ساعدتني منذ أيام, لقد كنت قلقة و ضائعه لكنها أوصلتني إلى باب قاعتي قبل ان تذهب لمحاضراتها! أوه صحيح, زوجها يدرس هنا أيضاً, أممم ماذا كان اسمه؟”

“شهاب.” إجابتي كانت لمها لكن عيني كانتا على جواد, خاب أملي حين إبتسم الفتى بأدب, كما لو كانت المرة الأولى التي يسمع فيها هذا الإسم.

ربما… ربما كنت مخطئة؟

هذا الفتى يتصرف بشكل مختلف تماماً… لك يطل النظر إليّ و لم يحاول مصافحتي…

يوجد المزيد من العرب في هذه المدينة, صحيح؟ ربما من رأيته كان شخصاً يشبهه…

“هذه الستره تجعل الجو لا يطاق, هل نعود للمنزل؟” سأل جواد زوجته التي تكاد تنفجر سعادة و حين اومأت برأسها, ودّعاني و انطلقا بعيداً نحو نهاية الشارع.

راقبتهما حتى اختفيا في الزحام و قلبي ينبض بشده في صدري, سعيداً أن منزلهما يقع في الجهة الأخرى من المنطقة, بعيدا بعيداً عن منزلي…

حين درت على كعبيّ لأعود إلى النافورة, وجدت أن الفتى الذي لم يتحدث الإنجليزية كان ينظر إليّ بفضول. رفع إصبعه مشيراً إلى أنه يطلب السماح بصورة أخرى, لكنه لم يحصل إلا على صورة واضحة لوجهي المتجهم.

حين رأيت شهاب و هايدي يقفان عند الرجل الأغريقي شعرت بلفحات هواء منعشة كما لو كنتُ سجيناً في خندق ضيق تم إطلاق سراحه. “شهاب! هايدي!”

اليوم هايدي كانت أجمل من أي وقت آخر, شعرها الاشقر قد رفعته ليكون كالكرة فوق رأسها, و ذيل ملابسها الفضفاضة تراقص حول ساقيها الناعمتين. يبدو أنها وجدت الوقت لتضع بعض حمرة الخدود هذا الصباح, أو ان هذا هو لونهما الطبيعي…

كانا يتناقشان بحدة حول موضوع ما, شهاب كان يمسك بيديه مجموعة أوراق تم تدبيسها في إحدى الزوايا و يبدو عليها آثار الإستعمال المتكرر. هدأ حوارهما حين رآني شهاب ثم زفر في قلة صبر. “إنسي الموضوع.”

غمغت هايدي بالألمانية قبل ان ترمقني بنظرة غريبة, “هل أنتِ أفضل الآن؟ هل اختفى إحباط محاضرة النقد؟”

إبتسمت لقلقها الواضح. “أظن ذلك.” شهاب كان ينظر إلي بشكل مثير للريبة لكن في اللحظة التي رفعت عيناي لأنظر إليه, تجاهلني و أخذ يتصفح الأوراق.

ارتمت هايدي على كتفي لتهمس في أذني. “لا أدري إن كنتِ تلتزمين بحمية, لكن تناول كعكة شوكولا يجعل كل شيء أفضل.”

ضحكت. “شكراً على النصيحة.” كلامها ذكرني أن هذا اليوم لم ينتهِ بعد, لم أصنع كعكه بالخلاط الجديد بعد! “هل كنتما تتحدثان عن مشروع ما؟” المشاده الكلامية منذ قليل بدت جادة…

إبتسمت هايدي و ضربتني على ظهري لتشجيعي, شعرتُ و كأن ضربتها كانت أقوى من المطلوب… “لقد أنتهينا من هذا المشروع للتو, الموقع الذي صنعناه جاهز للعمل لكن بعض الاخطاء الصغيرة ظهرت و سيصلحها شيهاب لتسليمها في الغد. أخبرته أن المكتبة مفتوحة طول الليل و أنه يستطيع إصلاح الموقع هنا, لكنه يرفض ذلك رغم ان المكتبه مفتوحه طوال الليل!”

نظرت إليها في عجب. “لكن أبواب الجامعة تغلق عند حلول الليل, صح؟”

إبتسمت الألمانية بخبث. “بالطبع, هذا يضمن لك عدم وجود ما يقاطعك أثناء عملك, طبعاً في البداية ستحتاجين للإختباء في خزائن المكانس او ما شابه حتى يذهب الحارس, لكن حين يقفل البوابة و يذهب للبيت, سيكون المكان كله لك!”

فكرة ان اكون في قاعة الرسم لوحدي مع كل ما احتاجه من ادوات و ألوان و إضاءة كانت تثير شهيتي لتجربة ذلك, لكنني لم أرد ان أخاطر حتى أرى غيري يفعلها دون عقاب… “لا أظن, ثم إني لا استطيع التركيز إلا في مرسمي الخاص.”

“كما تريدين.” إتجهت الفتاة نحو مبنى المكتبة وودعتنا بالألمانية, ثم اختفت في الزحام فلم أر منها سوى الكرة الشقراء فوق رأسها.

“هل حقاً يجلس الرسامون في القاعة بعد إغلاق ابواب الجامعة؟” سألت شهاب المشغول دون ان اتوقع رداً, لكنه طوى الأوراق وادخلها في حقيبته ثم اولاني جل اهتمامه.

“هذا صحيح.” تسايرنا نحو البوابة التي كلما اقتربنا منها, كلما زاد الزحام. “قد يبدأ بعضهم بفعل ذلك بهدف الرسم لكن سرعان ما ينسون ذلك و ينخرطون في أفعال غير قانونية.” توقف عن الحديث حين أصبحنا في الخارج ووجدنا أمامنا شارعاً مكتظاً بالسيارات, فسرنا في صمت حتى أصبحنا امام بوابة مبنى الشقق الخاص بنا. في المصعد, كان الهدوء متوتراً. “ظننتك عدتِ للمنزل حين لم أجدك عند النافورة.”

“كنت أجلس مع مها لكن زوجها أتى لاصطحابها و أرغمتني على رؤيته.” إنعكاسه في باب المصعد رفع رأسه بسرعه لينظر إليّ.

“لماذا فعلت ذلك؟!”

شعرت أن البئر التي تنضح بالبؤس في صدري بدأت تفيض. “لا أدري, لا أظنها تنوي السوء على اي حال, و زوجها بدا شخصاً مهذباً. كانت سعيدة جداً لرؤيته مع انها تسكن معه و تراه كل يوم.”

تنهد شهاب و خرج من المصعد حين فتحت الأبواب. “تبدو لي صديقتك هذه انها تستمتع بالتباهي بما لديها.”

“ربما.” تبعته إلى شقتنا وليس في ذهني سوى الإستلقاء و محاولة النوم, لكن حين دخلنا وخلعت حذائي وجدت أن ذهني مشغول بشيء يرفض الإختفاء. “شهاب هل تتذكر ذلك الفتى العربي الذي رأيناه في مركز التسوق؟ هل تتذكر ماذا كان يدرس؟”

أغلق شهاب الباب خلفه و راقبني بصمت لبرهة قبل أن يجيب. “أظنه كان يدرس علم النفس او ما شابه, كان دوماً يشتكي من الاطباء النفسيين الذي عليه حضور محاضراتهم.” اطال النظر إلي قبل ان ينحني ليخلع حذائه. “لماذا؟”

“لا شيء.” إعطيته إبتسامه صغيرة. “سؤال عادي… يبدو أن الكثير من العرب يسكنون هذه المنطقة.” لم يزل بي الشعور بالضيق رغم ان كل الأسئلة أصبحت إجاباتها واضحة…

سمعنا قرعاً على الباب المقابل و صوتٌ مرتفع لرجل في الخارج. نظر شهاب عبر العين السحرية قبل ان ينظر إليّ في دهشة. “رجال إسعاف.”

يتبع…

Series Navigation<< عبر سديم النسر 29عبر سديم النسر 31 >>