عبر سديم النسر 29

This entry is part 29 of 37 in the series عبر سديم النسر

الفصل التاسع و العشرون:

عرفت الآن لماذا اختار شهاب أن يجلس مع اصحابه في غرفة القراءة المهجورة. إنها غرفة نظيفة دائماً, هادئة و مليئة بالكتب. يوجد حاسوب او اثنان لكن لا احد يستعملها إلا للبحث عن ما تشمله المكتبة من عناوين. كنت أجلس بجوار هايدي التي كانت تتحدث مع احد اصحابها بالألمانية –ذاك الفتى ذو شعر قوس قزح و العينان الكحيلتان, كان شهاب يجلس على جانبي الآخر قبل قليل لكنه ذهب لإعادة كتابه ذو الغلاف الازرق ويحضر آخراً. خلافاً لما اعتقدته عن هذه المجموعة المريعة من الطلاب, فهم مرحون و صاخبون و في الحقيقة, فنانون. لو استثنيتُ هايدي وزميلها الألماني و شهاب, اللذين يدرسون التسويق, يبقى ثلاثة أولاد. إثنان منهم يدرسان النحت في عامهم الثاني و أحدهم, ذو شعر اشقر متموج كالقشّ, يدرس في سنته الأولى تصميم المجوهرات. كان الثلاثة يجلسون في حلقة ضيقه لينظروا إلى صور قد جمعها الفتى ذو شعر القش لمجوهراته المفضلة والملابس التي عليهم تصميمها ضمن دروسهم في الموضة, كانوا يستمعون لموسيقى غاضبه بلغة لا افهمها و يضحكون على نكات لا اقدر على استيعابها.

“ما هذه السلسلة؟” سألت شهاب حين عاد بكتاب يشبه سابقه لكن ذو غلاف أخضر.

“لا شيء, إنها فقط سلسلة خيالية…” بدا خجلاً من ذكر ذلك امامي, هل يظنني سأستهزيء بهوايته في قراءة القصص؟

“هل هي عن الفضاء؟” سألته بهدوء على الرغم من كمية الإزعاج من حولنا.

تلاشى خجله قليلاً حين وجدني اسأله بفضول حقيقي, فاستجمع شجاعته ليجيب. “نعم, إنها عن فتى يستيقظ ليجد نفسه في كوكب آخر, في جهة أخرى من المجرة لأن الكرة الأرضية قد تم تدميرها. لكنه لا يتذكر ماذا كان يفعل حين عاش على الأرض ولا أين من المفترض ان يذهب بعد ان اختفت.” إرتفع صوته قليلاً حين وجد أن الفكرة قد اجتذبتني. “القصة مشوقه حقاً و رغم أنها خيالية إلا ان المعلومات حقيقية, أنظري هنا مثلاُ.” قَلب الكتاب و أراني الغلاف الخلفي من الداخل. “هذا هو العدد الثالث من القصة و في نهاية كل كتاب توجد معلومات و صور عن المجرات و الكواكب التي يراها الرحاله.”

إتسعت عيناي في دهشه. “هذا الشخص لم يتذكر شيئاً على مدى ثلاثة كتب؟!”

ضحك شهاب و عاد ليتأمل الغلاف الأنيق المطرز بالنجوم التي لا أعرف اسمها. “بل يتذكر, يتذكر اشياء لا يريدها و أشياء غير مفيده… في نهاية الكتاب الماضي اكتشفنا أنه كان ابن رئيس المنظمة التي من المفترض أن تحمي الأرض, لكن الدمار الشامل الذي أصابها قد حصل بسببه… لا أدري كيف سيتصرف الرحاله بعد ان اكتشف فعلته الشنيعة…” أطال النظر لوجهي للحظة قبل أن يغير الموضوع. “من الغريب أن تسأليني عن هذا… ألستِ غاضبة مني لسبب أو آخر؟”

هل يقرأ هذا الفتى أفكاري؟

“لا, لست غاضبه… مجرد أنني… أشعر بالسوء.”

“هل انت بخير؟ هل أكلتِ شيئاً سيئاً؟” إتجهت عيناه لصناديق البيتزا و البطاطا المقلية أمامنا. “هل أعطاك احدهم شيئاً غريباً لتشربيه؟”

حاولت إرغام نفسي على الضحك. “لا لا, لم آكل او اشرب شيئاً غريباً…” أردت أن أخبره عن الاستاذ كارتر لكن هايدي اكملت عوضاً عني.

“سهر تشعر بالضيق لأنها أول محاضرة انتقاد تحضرها.”

معها حق, اليوم كان موعد تحويل محاضرة الرسم إلى جلسة انتقاد حيث نعرض بعض لوحاتنا و نسمع رأي الطلاب و الاستاذ, و على ما يبدو ان هذه الجلسات ستكون شيئاً متكرراً في حياتي الدراسية. لم يكن للطلاب الكثير من الإنتقادات فكلنا مبتدئون, لكنني للتو لاحظت ازدياد الإحباط بعد تلك المحاضرة.

استرخى وجه شهاب المتوتر و ابتسم. “اوه, هذا كل ما في الأمر؟ هل قال لك احدهم شيئاً سيئاً؟ لا تصدقي كل ما يقولونه فبعضهم سيستغل الفرصة لتحطيمك أنتِ شخصياً.”

أريتهما إبتسامه صغيرة حتى فقدت هايدي الإهتمام و عادت للحديث مع الفتى بجانبها. أملت جسدي نحو شهاب حتى لامست كتفه ثم همست, “أظنني أشعر بالحزن على أحدهم…”

رد هامساً, “ماذا حصل؟”

نظرت إلى هايدي ووجدت أنها لاتزال تتحدث بحماس –أو تتشاجر, لا ادري حقاً فالألمانية لغة صعبة الفهم- مع ذي الأقراط, ووجدت أن الفتيان قد غيروا الموسيقى إلى ما هو أصخب. “هل نستطيع الذهاب إلى مكان أكثر هدوءاً؟” كنت أعرف ان شهاب لن يتفهم مدى حزني على ما حصل للسيد كارتر, خصوصاً و أنني لم احب الرجل إطلاقاً و لم اتحدث عنه إلا بالسوء. لكنني أريد تفريغ غضبي لذلك السبب بالذات. لماذا على يومي أن يكون كئيباً بسبب شخص لا اهتم لأمره؟

تبعت شهاب حين قام من مجلسة و ذهب نحو احد حواسب المكتبة المهجورة, جلسنا عند المكتب الخشبي المصقول ووجدت أن الصوت أقل إزعاجاً هنا. أستطيع التحدث مع شهاب دون مقاطعة.

وجدت أن بدء الحديث أصعب مما توقعت, فجلست على الكرسي الدوار لأعيد ترتيب الكتب التي كانت عليها بحسب الحجم لابثما أفكر فيما عليّ قوله بالضبط.

أمال الفتى جسمه على المكتب و انحنى قليلاً لينظر إليّ. “ماذا حصل؟ هل أهلك على ما يرام؟”

“أوه, نعم, أهلي بخير و الحمد لله. كنت أتكلم عن… أشعر بالسوء حين أفكر… السيد كارتر.” استرقت نظرة قلقة إليه لكنه لم يضحك, بل أومأ لي ان أكمل. “أخبرتني هايدي هذا الصباح أن الحريق الذي التهم منزله و تسبب في إصابة ذراعة و قدمه… قد أخذ زوجته.”

لم يصب شهاب بالدهشه ولم يكن منزعجاً. بالطبع, إنه بالكاد يعرف الاستاذ كارتر و لم نكن ندري ان جارنا العبوس قد كان متزوجاً أصلاً… “ألستِ تكرهينه؟”

“كنت أظن ذلك!” تصلبت عضلات كتفي في لحظة اختلطت فيها قلة الحيلة بالرغبة في الهروب. “لكني لا استطع التوقف عن التفكير! شهاب أنت لم تره, لقد كان محطماً و حزيناً, لم يزل عنيداً لكنه ليست نفس الشخص! لم يستطع حمل حقيبته أكثر من ثلاث خطوات بسبب آلام ظهره و يده, و حين سألته إن كان يحتاج للمساعده رفض ذلك!” لم يقاطعني شهاب فأكملت. “حملت الحقيبه رغماً عنه, على اي حال, ولم يقل شيئاً, أظنه كان يتمنى ان احملها عنه. حين بدأ الدرس لم يفعل شيئاً سوى القراءة من الكتاب و شرح الكلمات التي قد تصعب علينا باللاتينية.”

“ألستِ تكرهينه بسبب تعامله السيء؟ الآن يمكنك التوقف عن القلق حول ذلك فقد تغير نحو الأفضل.”

“أعرف! لكني لا ازال اشعر بالأسى!” انا حتى لا أعرف زوجته!

“أليس ذلك امر طبيعي؟” فاجأتني إجابته الصبورة. “حين يأتي خبر وفاة احدهم المفاجئة, نتذكر ان الموت آت لا محالة, لنا و لأحبائنا. إنه شعور عادي, سحر. هذا لا يعني انك تشعرين بالأسى على الاستاذ نفسه, بل على ما قد يحصل في المستقبل.”

راقبت الكتب المصطفة بشكل أنيق ووجدت أنني كلما فكرت في السيد كارتر و زوجته التي لا اعرف شكلها, أرى في ذهني سقفاً محترقاً وتلك الستائر المشتعله و ألسنة نار متصافقة تلعق كل ما حولها… ما أراه في خيالي لم يكن امرأه عجوزاً تحترق, بل فتىِ يختنق حتى الموت.

“ربما…” لم يزل بي ذلك الشعور الخانق بالقلق, كما لو كنت سأتلقى خبراً سيئاً في أي لحظة, لكن على الأقل الآن لدي فكرة عما اخاف منه….

بعد ان أنتهيت من غدائي تركت غرفة القراءة و اتجهت إلى قاعة الرسم مبكراً لأحصل على مقعد جيد, فالمقاعد الجيدة محدودة و إن تأخرت, ستحصل على كرسي مكسور او حامل لوحات مائل او أسوأً, جزء من الغرفة لا يسمح لك برؤية تمثال الدرس.

 درسنا اليوم كان يتكلم عن النار و كيف نرسمها بأقلام الرصاص دون ألوان…

نعم, كان نهاراً سيئاً دون شك…

يتبع…

Series Navigation<< عبر سديم النسر 28عبر سديم النسر 30 >>