قصة حصلت حقاً… ربما

كان اسمها المدرسة السابعة عشر في الملز.

لا زلت أتذكر ذلك اليوم كما لو كان بالأمس, بل ربما اتذكر أحداثه بشكل أوضح مما اتذكر الأمس الحقيقي…

كنتُ قد أتيت مبكراً أكثر من المعتاد لأن والدي كان يحتاج للذهاب للعمل مبكراً, ولم يكن لي من سائق غيره. كان الوضع طبيعياً ظاهراً, البوابات مفتوحه و الحارس يجلس في الخارج ليحيي من يعرفهم من أولياء الأمور.

كل شيء بدا على ما يرام.

كنت في الإبتدائية, فلا عجب أنني رميت بحقيبتي الثقيله في أول زاوية قبل أن ارفع رأسي لأنظر حولي. كانت الساحه شبه خالية…

بل كانت خالية فعلاً.

ظننتُ أنني الوحيده هنا و جلست لأنتظر باقي الطالبات ليدخلن عبر الباب، لكني لستُ جيده في الإنتظار و مع هذا الجو الجميل شعرتُ بالنشاط على غير المعتاد. شيء ما في داخلي كان سعيداً أنني الأولى, شعور طفوليّ و ساذج لتحقيقي مالم تستطع صديقاتي صنعه, الحضور مبكراً لأكون أول طالبة تأتي إلى المدرسة هذا اليوم.

سأتباهي بذلك امامهن لاحقاً!

لفت نظري حجم الساحة الشاسع الآن حين يخلو من الطالبات و عاملات النظافة, كنا دوماً نعرف ان المبنى أكبر مما نحتاج, لكنه كان أفضل من مدرستي السابقة التي بدت كمنزل ضيق.

أو ربما كانت حقاً منزلاً ضيقاً, لا أتذكر…

مشيت على غير هدى حتى وصلتُ إلى الجهة الأخرى من الساحة, لا أحد يذهب هناك عادة فالكثير من القصص المخيفة تدور حول هذه الغرفة المهجورة. قيل أنها كانت مدرسة لتعليم الكبيرات, و قيل أنها مخزن للكتب و أدوات النظافة. كانت النباتات المتسلقة تغطي معظم نوافذه فلم أستطع النظر للداخل, لكن الباب كان مفتوحاً.

لم يكون مفتوحاً على مصراعيه, بل مفتوحاً قليلاً فقط, لربما استطاعت قطة صغيرة أن تمر لكن الإنسان لن يستطيع النظر إلى داخل الغرفة المظلمة دون دفع الباب إلى الداخل. أجفلني صوتٌ رنّ في وسط الغرفة المبنية من الطوب الأصفر ووجدت نفسي في مأزق. بدا الصوت كما لو كان شخصاً يستأذن, ثلاث طرقات مهذبة على الباب أمامي. لربما كانت إحدى الطالبات قد دخلت و لم تستطع الخروج بسبب الصدأ الذي أقفل الباب في مكانه, و قد يمكنني إخراجها لو ركلت الباب.

لكنني كنت الطالبة الأولى التي تحضر اليوم…

“من هناك؟” سألتُ بصوت مرتجف, محاولة الظهور بمظهر البطل المغوار. الطالبات اللاتي فكرن بهذا المقلب سيفرحن لو رأوني خائفة لذلك لن أبكي او أصرخ رغم ان القشعريرة بدأت تزحف على ظهري كما لو لم أكن ارتدي زي المدرسة الثقيل في عز الصيف.

طق طق طق.

درت حول الغرفة بما حولها من أشواك برية و غبار و لم تنطبع سوى آثار أقدامي وحدي. لم يكن هناك أحد غيري و حين عدت للباب, وجدت أنني لا أزال الطالبة الوحيده في المدرسة.

“سأذهب لأنادي إحدى المعلمات.” أخبرتُ من بالداخل و قبل أن أبعد نظري عن الشق المظلم بين الباب و الجدار, رأيت عيناً تحدق بي من الجهة الأخرى ولفحتني موجة من الهواء البارد.

ركضت.

ركضت و ركضت محاولة مقاومة الرغبة بالصراخ والنظر خلفي لأنني أشعر أن ما كان في تلك الغرفة يطاردني. تسارعت الألوان من حولي كما لو كنتُ أسقط عبر الممر, كما لو كانت جاذبية قوية تسحبني نحو الجهة الأخرى من الممرات و حين أصل للزاوية, يجذبني تيار آخر لا أستطيع سوى الإنصياع لأمره. توقفت أخيراً لألتقط أنفاسي و أنظر إلى قدميّ اللتان ثقلتا حتى أصبحا كقطعتيّ حديد و نظرت حولي في شفقة فلم أجد أحداً, لم يكن شيئاً خلفي بل رأيت إنعكاسي على الزجاج المهشم على الأرض حيث أقف.

متى أتيتُ إلى هنا؟

كيف أتيتُ إلى هنا؟

تسمي الطالبات هذا الجناح بحضانة الأشباح.

من المفترض أن تكون الجدران ملونة بأصباغ زاهية و صور لحيوانات ظريفة, لكن كل ما يغطي الجدران الغبار و النباتات الجافة و بقع نخاف منها أكثر من أن نوليها المزيد من الإهتمام.

هل هي آثارا الأمطار و الطين التي تعاقبت على مر السنين, أم بقع من دم ساكني هذا الممر قبل أن يخترق صاروخ الحرب سقف الغرفة ليمزقهم إلى أشلاء؟

لم آت إلى هنا من قبل, ولا أعرف كيف وصلتُ إلى هنا ولا كيف سأخرج…

ثم عبر الأبواب التي لم تعد موجودة و الزجاج الذي تطاير حين غرز رأس الصاروخ نفسه في الأرض, رأيت تلك العينين الصفراوين تنظران إليّ في ريبة.

“ثم ماذا حصل؟” سألتني المرأة حين رفعت رأسي و نظرت في المرآه أمامي, صوتها الصبور و معطفها الأبيض أعاداني إلى الوقت الحاضر, إلى هذه الغرفة النظيفة ذات الفراش الوثير و صنبور المياه الفضي و النافذة التي تطل على حديقة هادئة من اشجار النخيل و التين.

“لا أتذكر.” أخبرتها بصوت مبحوح. “كل ما أتذكره أنني وجدت نفسي عند حقيبتي في الزاوية التي رميتها فيها, و إحدى صديقاتي تلكزني بكوعها لأننا سنتأخر عن الطابور.”

“هل تعرفين ماذا كان ذلك الشيء ذو العينين الصفراوين؟”

سرت رعشة في جسدي قبل ان أنظر لنفسي في المرآه, فتاة ذات وجه شاحب و عينين سوداوين يحفهما الإرهاق من كل ناحية, وشعر لم تعبره اسنان المشط مذ أتيت إلى هنا. “طوال هذه السنوات كنت أقول لنفسي أنها لم تكن سوى قطة… لكني هنا لأنني و في أعماقي لم أصدق ذلك…”

“هذا جيد, الإعتراف بالمشكلة هو أولى خطوات ايجاد الحل.”

كان اسمها المدرسة السابعة عشر في الملز.

لكن حين سألت, لم يسمع بها أحد غيري.

النهاية…؟

—-

ملاحظة: كتبتها الشهر الماضي استناداً على هذا الرد عن المدرسة الحقيقية بنفس الإسم.

2 thoughts

  1. انا لااحب هذة القصص لاني عندما كنت في الابتدائية لم اكن ادخل الحمامات نهائيا وذلك لان الاطفال كانوا يقولون انة سوف يخرج شخص اسمه الكف الاسود فلذلك لااحب اخافة الاطفال بهذة القصص الخرافية

Comments are closed.