عبر سديم النسر 33

This entry is part 33 of 37 in the series عبر سديم النسر

 الفصل الثالث و الثلاثون:

أصابني الملل في محاضرة الاستاذ كارتر في نهاية ذلك الأسبوع, فقد عاد إلى طبعه المعتاد في تحقير جميع حضارات العالم, خارجاً عن نص الكتاب بشكل يثير الشك. هل نحن حقاً ندرس مادة “تاريخ الفن” ام انها “جلسات تمجيد الحضارة الأغريقية” ؟

حين توقف ليرتشف بعض الماء رفعت يدي و سألته. “أستاذ كارتر, أنت تحب منحوتات الإغريق و نظرتهم للجمال الإنساني. لكن الجمال الذي صوروه يكاد يكون محصوراً على الإنسان, ألا يعني ذلك أن فنونهم قاصرة؟”

لم استطع رؤية وجهه بدقه لكوني أجلس في نهاية المدرج, لكنني أستطعت استشعار توتر الطلاب في الأمام لأنه لم يكن سعيداً بسؤالي.

“الأغريق رسموا الحيوانات و نحتوا الفخار و بنوا القاعات ورصدوا النجوم, سولومون, تلك اشياء متحضرة بالمقارنه مع التفاهات التي ينتجها رساموا اليوم.” بقدمه المصابه اعتلى الدرجات ببطء, قادم نحوي بصوته الأجش و كتابه الثقيل. “أم لديك رأي آخر؟”

أغلقت دفتري لكي لا يرى محاولاتي لرسمه في حواشي الصفحة. “رصدوا النجوم لكنهم لم يفهموها.”

“لم يكن لديهم منظار في ذلك الوقت.” وقف بجانبي لأرى تجاعيد وجهه بوضوح. كارتر لم يعد يخيفني, من المضحك أن تتغير نظرتي له بين ليلة و ضحاها.

لا, ليس بين ليلة و ضحاها, لازلت أشعر ببعض التوتر حين أحادثه, لكني لم أعد أراه ذلك الوحش الضخم اللذي ينفث النيران من فمه و يطلق الصواعق من عينيه.

“على العكس من أصحابك المسلمون, كان لديهم منظاراً و اسطرلاباً لمئات السنين, هل رسموا النجوم؟” سألني بصوت ساخر.

“لا أدري, ربما.”

“لم يفعلوا. حتى أنهم لم يحاولوا نحت الجسم البشري. حتى الأواني الفخارية التي لم يستطيعوا تحطيمها وصلتنا بشكل سيء. أصحابك لم يتكاسلوا في صنع فنونهم وحسب, بل لم يحتفظوا بها بشكل جيد.إذهبي للمتحف, الأثريات التي وصلتنا من عصور ما قبل الميلاد كانت في حال أفضل مما وصلنا منكم.” إبتسامته الفائزة لم تكن تتوقع ان يسعفني عقلي في إيجاد رد مناسب.

نطقت ما أفكر فيه دون تشذيب. “على الأقل الفن العربي كان مناسباً لكل العائلة. من المفترض بالإغريق وضع تحذير عند تماثيلهم: للبالغين فقط.”

“همف, يا له من عذر جميل لحضارة لا تسمح للمرأة بالخروج إلا بعد ان ترتدي خيمة. هل تخافون من صدر المرأة؟ هل هذا كل ما في الأمر؟”

قاومت الغيرة على ثقافة وطني لأفكر فيما سيرد له الصاع صاعين. “هل هذا يعني ان نحاتوا الإغريق يخافون أيضاً؟ لا أتذكر لوحه او تمثالاُ لآلهة أنثى رُسمت بجسد عارٍ, ألا يعني ذلك ان تغطيتها هو دلاله على احترامهم لها, على العكس من النساء العاديات اللاتي يظهرن دون ملابس؟”

أومأ برأسه لكن لم يزد, يبدو أنه شعر برغبتي في إسكاته فلم يحاول إكمال النقاش. “وكما ذكرت سولومون, الآلهة الأنثى لا ترسم إلا بعنصر يغطيها بشكل ما, من يعرف السبب؟ لا أحد؟ أعرف انكم طلاب فاشلون, لا تعرفون شيئاً عن الرسم بل تضربون بفرشاة الواناً عشوائية و تنتظرون التصفيق. تباً لكم, آلهة الإغريق اكرم من أن تخلع ملابسها لبنو البشر المنحرفين امثالكم.”

وللخمس و أربعون دقيقة التالية, كان الأستاذ يتحدث بشغف عن مظاهر احترام الإغريق للآلهة, أمضاها الطلاب ناظرين إليّ شزراً لأنني أثرت الموضوع…

لا أهتم, قد يكون عليهم احتمال مزاجه السيء لساعتين أو ثلاث في الأسبوع, أما أنا فعلي العيش على بعد مترين من باب بيته و صنع العشاء له طوال الأسبوع الماضي.

غرفة القراءة في وقت غداء ذلك اليوم كانت تصدح بأغنية نشاز عن يوم الجمعة, الفتى ذو شعر القش –لا اظنني تعرفت على اسمه- كان يمسك بفرشاه كبيرة الحجم و يستعمل أسفلها كميكروفون ليغني الكلمات بلكنة أوروبية ثقيلة اخفت معالم الأغنية. الشابان من قسم الفخار كانا يعزفان له الموسيقى بالضرب على علبة رقائق البطاطا و طرق عوديّ الأكل الصيني ببعضهما البعض.

هايدي كانت تقترح عليهم كلمات جديدة للأغنية حين جلست بجانبها ووضعت كيس الطعام الذي كنت أحمله. “مالذي يحصل؟” سألتها وجلت بنظري بحثاً عن شهاب أو الفتى الألماني الآخر.

“تم إلغاء بقية محاضراتهم لهذا اليوم لأن فرن الفخار انفجر. امتلأ المبنى بالدخان و قطع الفخار المحترق فأصبح ضرورياً إخلاء المكان حتى يهدأ الوضع. تعطل الفرن يعني أن الطلاب لا يستطيعون إنهاء مشاريعهم لهذا الأسبوع, وإخلاء المبنى يعني عدم حصولهم على مشاريع جديدة للأسبوع القادم. أتمنى لو ينفجر مختبر الحاسوب, أريد ان تلغى مشاريعي لأسبوع.” زفرت هايدي بأسى مصطنع و نظرت لداخل الكيس بحثاً عن شيء يؤكل. كانت أمامنا كمية كبيرة من علب الطعام الفارغة و الأكواب الورقية المتسخة لكن يبدو انها لا تزال لديها القدرة على تناول المزيد.

قرع قلبي بسرعة حين تخيلت منظر الدخان المتصاعد. “شهاب! أين هو؟ هل يعلم بأمر الدخان؟”

رمقتني الفتاه بنظرة غريبة, كما لو كانت تقاوم الرغبة في ركلي. “بالطبع. ثم إنه في مبنى التسويق في الجهة الأخرى من الحرم الجامعي.”

“أوه.” تلاشى الرعب بسرعه فجلست بجانبها و فتحت علبة البطاطا المقلية لآكل. “مالذي يفعله هناك؟”

هزت كتفيها بلا مبالاه و شاركتني وجبتي. “تسليم مشروع.” ولم تزد على ذلك.

في الأيام الماضية كان شهاب مشغولاً بهذا المشروع, لكنني لم اسأله عما يفعل بالضبط. توجد الكثير من الأشياء التي لا أفهمها في مجال دراسته, خصوصاً ما يتعلق ببرمجة المواقع وبرامج الرسم الرقمية, و أحياناً أجد نفسي أتسائل لِم لا يعود لدراسة الرسم على اللوحات بعد أن استعاد صحته؟

“هايدي, أنت تعرفين شهاب منذ العام الماضي, صح؟” لم أرد التحدث معها في هذا الموضوع الحساس أمام الآخرين, لكنهم كانوا مشغولين بالصراخ و الزعيق و اختراع كلمات جديدة لنفس اللحن الرتيب.

“هذا صحيح.” نظرت إليّ بعينيها الحادتين و ابتسمت قليلاً. “ماذا تريدين أن تعرفي؟”

وجدت نفسي أدرس تفاصيل قطعة البطاطا المقلية و بلورات الملح المتناثرة على سطحها الذهبي. “لماذا توقف عن الرسم؟ أعني, أعرف انه مصاب بالربو, لكنه أفضل الآن. فلماذا لا يرسم بالأكريليك مثلاُ…؟”

إرتفع صدرها في زفرة عميقة. ملابسها اليوم ساتره, على غير العادة. ربما لأن السماء الغائمة في الخارج تبشر بموجة من الأمطار مما يحعل الجميع يستعد لموسم الشتاء. “لم تكن إصابته بالربو ذات أهمية حين تعرفت عليه في بداية العام الماضي, بل لم يكن يتعرض لنوبات على الإطلاق حتى حين بدأنا الرسم بالألوان الزيتيه. يمكنك القول أن لديه استعداد للإصابة للمرض, لكنه لم يصب به حقاً حتى أصبح يحبس نفسه في المرسم دون منافذ هوائية ودون استعمال اقنعه واقية. أحياناً كنت آتي للمرسم في الصباح و أجده قد أمضى ليلته هناك, ملطخاً بالألوان, على يديه ووجهه وملابسه, ورائحة زيت التربنتين تملأ المكان.” إبتسمت بحزن قبل أن تكمل. “في منتصف العام الماضي وجدته مستلقياً على الأرض و ظننته نائماً, و حين حاولت إيقاظه وجدته فاقداً للوعي. أخبرتني الطبيبة حينها أنه استنشق اكثر مما يستطيع احتماله من الأبخرة و أن عليه التوقف عن الرسم لفترة.”

“أوه… هكذا إذن…”

تفاجأت ان الحكايه لم تنتهي عند ذلك حين أكملتْ. “لكنه لم يتوقف عن الرسم, بل ربما أصبح مهووساً به أكثر مما سبق. اعتدت على رؤيته يترنح أمام لوح الرسم يوماً تلو الآخر. على الرغم من محاولاتي لإيقافه عن قتل نفسه إلا انه رفض رفضاً قاطعاً, لا أدري إن كان يحب لوحاته لتلك الدرجة ام أن الأمر كان عناداً و حسب. ثم في نهاية العام حان موعد تسليم المشروع النهائي, كلانا كان يعرف أنه لن يستطيع إنهائه على الوقت, لكنه حاول على اي حال.”

لو لم تكن هايدي تتحدث عن شخص أعرفه اليوم, لظننت ان حكايتها ستنتهي بشهاب في صندوق خشبي متجهٍ نحو مقبرة ما.

“في النهاية  أنهى العمل و استطاع تسليمه للأستاذ في وقته, حتى أنه حصل على أعلى درجة يمكن لطالب السنة الأولى أن يحصل عليها. لكنه أمضى عطلته في المستشفى محاولاً التعافي من آثار عام كامل من التعرض اليومي لمثيرات الربو… أعتقد انه لم يكن ليغير تخصصه لو لم تأتي والدته و تتوسله أن يفعل.”

“أريد ان ارى لوحاته.” أخبرتها بعد لحظات من الصمت.

أخذت هايدي إحدى علب العصير و تأملتها. “لقد تخلص منها جميعاً. أظنه أصيب بخوف غير عقلاني من لوحاته الخاصة بعد ذلك العام العصيب, كأنها تذكره بكل الألم الذي عانى منه ليصنعها.”

“ماذا كان يرسم؟”

أدخلت القشة في مكانها وارتشفت بعض عصير التفاح. “أشياء عادية: طاولة عليها فواكه, سماء المغرب, عارضة محاضرات الرسم. إنه ممتاز في رسم الأشخاص بقلم الفحم, دعيه يرسمك في يوم ما.”

مددت يدي نحو عصير المانجو و رغم رغبتي في إيقاف فمي عن الكلام, إلا انني سألت: “هل رسمكِ انت ايضاً؟”

“طبعاً رسمني, أتظنين ان فتاة جميلة مثلي يمكنها العيش بسلام في جامعة نصف مرتادوها يريدون عارضة, و النصف الآخر يريد رؤيتي دون ملابس؟! ههاهاهاا!”

توقف العصير في منتصف حلقي و كدت أغرق. “هل رسمكِ دون ملابس؟!”

إبتسمت إبتسامه خبيثة. “هل تغارين؟”

“بالطبع!” لم أكن أتوقع ان اشعر بذلك, ذلك لكن مجرد التفكير ان شهاب جلس في يوم ما لينظر إليها بكل تركيز أثار انزعاجي.

قهقهت بصوت عالِ و أشارت إلي بإصبعها لتخبرني شيء لا اعرفه بالألمانية. سرعان ما لاحظت انني لم أفهم ما تقوله فتحولت للإنجليزية. “لم أخلع ملابسي, كنت اداعبك وحسب. كانت حصتهم عن رسم التفاصيل و ما إلى ذلك و كان الأستاذ يريدني لأن شعري فاتح و متموج و سيعذب الطلاب بشكل مؤكد. في الحقيقة تلك الحصة كانت المرة الأولى التي أرى شيهاب فيها. لم يرسمني بعدها لأننا تعرفنا على هؤلاء الشباب.” أشارت إلى المجموعة اللطيفة التي أخيراً توقفت عن الغناء. “فكان يستعملهم للرسم عوضاً عن الفتيات. كان أمره مثيراً للإهتمام فمعظم الرسامون هنا سيفعلون العكس لأنه عذر ممتاز للتعرف على فتيات جميلات.”

“ما هو العذر الممتاز للتعرف على الفتيات؟” الفتى الألماني الضخم كان قد دخل للتو فلم يسمع إلا نهاية الجملة, تبعه شهاب حاملاً حقيبته على كتفه. “أخبروني بأسراركم يا بنات, أريد الحصول على صديقة.”

عقدت هايدي ذراعيها على صدرها و مطت شفتيهاا في امتعاض. “السر الأول و الأهم هو ألا تطلب من البنات أسرار الحصول على صديقة.” أحاطها الفتى بذراعيه و همس في أذنها شيئاً جعلها تحمرّ خجلاً وتقرصه في ذراعه المكتنزة.

لم أر هايدي هكذا من قبل, و رؤيتها في احضان شاب ما اثار حيائي, مثل لحظة مشاهدة مشهد عاطفي في التلفاز اثناء وجود والدك بجانبك.

لا أدري لماذا لكنني ظننتها ستكون دوماً لوحدها بعد أن رفض شهاب مبادلتها المشاعر… ربما كنت أرى نفسي في مسلسل صباحي, حيث تستمر المناوشات بين الزوجة و الصديقة حتى الحلقة المائة وخمس وثلاثون التي تنتهي بموت احدهما.

لسبب ما… شعرت بالسعادة لأجلها. لم أرد ان اشاركها شهاب لكني لا اتمنى لها الوحدة أو البؤس.

تجمد الدم في عروقي حين اقترب شهاب ورأيت عن قرب وجهه الممتقع وشفتاه البيضاوان. “مالأمر؟”

“هم؟ ماذا؟”

“تبدو متعباً.” وضعت يدي على جبهته وحين وجدتها ساخنة, تحسست أسفل وجنتيه. “هل تعرضت للدخان؟”

إبتسم بتوتر و نظر بعيداً, كما لو كان يخجل من أن يراني أصحابه أعامله هكذا. “لم أفعل.” أمسك بيدي و ابعدهما عن وجهه بلطف, كانت أصابعه كالجليد. “لم أنم جيداً بالأمس, هذا كل ما في الأمر.”

“شهاب لديه وسواس قهري من التأخر في تسليم الواجبات.” غمغمت هايدي وتبعت صديقها ليجلسان على المساند الرخوة.

نظرت في عينيه للحظة قبل أن أقرر. “فلنعد للبيت.”

إتسعت عيناه المحمرتان. “هاه؟ لكن… لدي مناقشة مع أستاذ تصميم المنتجات.”

نظرتُ إلى هايدي بيأس, فابتسمت لمعرفتها التامة أن شهاب لن يتوقف حتى يسقط مغشياً عليه. “سأناقشه أنا و أرسل لك النتائج.”

وقف شهاب مشدوهاً للحظة ثم أغلق فمه بحزم. نظر إليّ, ثم إلى هايدي, ثم إليّ. “وماذا عن دروسك انتِ؟”

“لا أمانع الغياب أحياناً.” أمسكت ذراعه بيدي اليمنى و بيدي اليسرى حملت حقيبتي. “أراكم لاحقاً.” ودعني الفتيان بإعادة غناء معزوفة يوم الجمعة و تحيات بلغات لا أعرفها (اظنهم يخترعون بعض الكلمات لتناسب الوزن) حتى خرجنا من غرفة القراءة.

“هلا مررنا على مركز التسوق؟ أريد شراء بعض العينات لمحاضرة التصميم.”

لو لم يكن مصاباً بالحمى التي جعلته يهذي بصوت خفيض عن ألوان علب العصير على الرف, لصفعته.

لماذا يسيء معاملة جسده بهذه الطريقة؟

يتبع…

—–

ملاحظات: زيت التوربنتين هو مادة يمكن استخراجها من اشجار الصنوبر او البترول, و تستعمل في تخفيف الالوان الزيتية و صناعات أخرى. لها رائحة نفاذة و أبخرتها تسبب الضرر للعينين و الأنف و الرئتين عند استنشاقها.

Series Navigation<< عبر سديم النسر 32عبر سديم النسر 34 >>

One thought

  1. This helped a boring long end of day pass quickly <3 I feel like slapping shehab for being a telmeeth mojtahed xD

Comments are closed.