عبر سديم النسر 34

This entry is part 34 of 37 in the series عبر سديم النسر

الفصل الرابع و الثلاثون:

بدا السيد كارتر كمن رأى صرصاراً ميتاً امام باب شقته حين فتح الباب ووجدني في الجهة المقابلة. “نعم؟”

لقد اعتاد رؤية شهاب في هذا الوقت من كل يوم طوال الأسبوع الماضي, لكن الفتى نائم و لن أوقظه بعد ان انخفضت حرارته أخيراً لأنني لا املك الشجاعة لمواهة السيد كارتر. “شهاب نائم, تفضل عشائك.”

ضاقت عينيه في شك. “ما هو؟”

“شوربة دجاج بالشعيرية. دون جزر.”

اظنني رأيته يقاوم الإبتسام, لكنه عاد لتقطيب حاجبيه و اخذ صينية الطعام المغطاه مني دون كلمة شكر, ثم صفق الباب في وجهي.

أغلقت باب الشقة 404 بهدوء ليس لأنني هادئة الأعصاب, بل كنت على العكس تماماً, لكن الفتى النائم لا يستحق ان يوقظ بشكل مفاجيء لمجرد انني أمرّ بيوم سيء. أخذت كأساً كبيرة من شوربة الدجاج معي إلى الأريكة في الصالة و تناولت عشائي في صمت برفقة إحدى القصص على هاتفي المحمول. كانت الساعة تقارب العاشرة حين انهيت فصول القصة التي لديّ و اكتشفت انني يجب ان انتظر الفصل التالي في الأسبوع القادم, شعور الترقب و الحيرة كان مزعجاً لكن في نفس الوقت دغدغ خيالي لمحاولة توقع الأحداث التالية.

لم اعتقد انني في يوم ما سأحب قصة خيالية عن مغامرين في الفضاء! لست ممن يقرأون الكثير من الكتب, خصوصاً الروايات, تحديداً عن الفضاء,  فقد كنت اراها مليئة بالمواقف المفتعلة و الغبية و لا تحتوي على ما يكفي من الرسوم, لكن هذه القصص مختلفة! كلماتها تجعلني أرى الأشخاص كالبشر الحقيقيين بنقاط ضعفهم و مشاكلهم وأمنياتهم, و الراوي اتقن وصف المجرّات و النجوم الساطعة, و المركبات التي خلفها الدمار الذي حل بالكرة الأرضية لتسبح -كالقنابل الموقوته- في أنحاء الفضاء.

تذكرت الرسوم المتحركة التي كنت أراها في صغري, كانت دوماً تحتوي على الرجال الآليين الكبار و تلك القذائف المتطايرة, كنت أكرهها لانني لم احب الحروب بين المجرات والآن ندمت انني لم اعطه الإهتمام الكافي فعالم النجوم كان أكبر مما أتوقع.

هذه القصص هي تماماً ما كنت أحتاجه لرسوماتي التي اتمنى إتقانها لسديم النسر!

“من تحدثين؟” رفعت رأسي لأنظر إلى صاحب الصوت الناعس, و قاومت الرغبة بالضحك على شهاب الذي كان يقف في باب الغرفة كمن خرج من آلة غسيل. أظنها المرة الاولى التي أرى فيها شعره منكوشاً ووجهه محمراً. حتى قميصه الذي كان مكوياً باهتمام هذا الصباح اصبح مليئاً بالتجاعيد لان الفتى ارتمى على السرير دون ان يخلعه.

“لا أحدث أحداً.” طمأنته و ابعدت رجليّ عن الأريكه لأعطيه متسعاً للجلوس بجانبي. “كنت أقرأ الفصل الأخير من رواية مستكشفيّ الكاسيوبيا, هل قرأت ما حصل هذا الأسبوع؟”

إتسعت عيناه قليلاً ثم ابتسم حين استوعب أنني كنت أقرأ نفس الرواية التي يحبها هو. خطا نحوي ببطء, كما لو كان يخشى فقدان توازنه, و جلس بجانبي ليلتقط انفاسه. “بدون تخريب.”

ضحكت. “إذن لن أقول شيئاً.” أغلقت شاشة هاتفي و نظرتُ إليه مطولاً. “هل تريد بعض الحساء؟”

أغمض شهاب عينيه و احني رأسه للخلف ليجلس مسترخياً تماماً, أو ربما كان يهم بالعودة إلى النوم هنا. “حسناً.”

حين انتهيت من تسخين الشوربة صببتها في كون واسع ذو عروة ليستطيع الشاب النعس الإمساك به بسهولة, لكن حين وصلت إلى وسط الصالة وجدت ان شهاب قد عاد للنوم. لا أدري لماذا أتى إلى الصالة لو كان متعباً, لكنني غطيته بالبطانية على اي حال ووقفت هناك بينه و بين الطاولة باحثة عن مكان لأجلس فيه, فقد رفع ساقيه الطويلتين على الكنبة فأخذها بأكملها لنفسه. للحظة فكرت بالذهاب إلى المرسم و الجلوس هناك حتى لو لم اشعر بالرغبة في الرسم -غداً إجازة نهاية الاسبوع و سأستطيع إنهاء واجباتي حينها-  لكنني لم أرد ان أتركه في الصالة لوحده بعد ان تجاهل غرفة النوم بسريرها الواسع و إضائتها الخافتة ليجلس في الصالة معي.

ذكرني ذلك بحنين حين تتسلل إلى فراشي في الأيام التي تشعر فيها بتوعك او حين تواجهها مشكلة في الجامعة, كنتُ دوماً اخبرها أن تصرفها هذا طفوليّ ولا يحل المشكلة, لكن في النهاية كنت أرضخ لرغبتها. كنت أعرف تماماً انها لا تحتاج سوى للشعور بالأمان, بأن أحدهم ينام قريباً منها و أنها ليست وحيده في هذا العالم, لكني لا أفهم مبدأ الارتماء في احضان شخص ما لمحاولة نسيان هموم العالم.

بعد ان توفيت والدتي لم يكن لحنين من تشاركه الغرفة سواي, و كانت تزعجني رغبتها الدائمة في الحديث عنها –رحمها الله- حتى لو لم أتذكر الكثير. لكن بعد أن تزوجَت حنين وتركت الغرفة الواسعة لي, وجدت نفسي كالمسافر الوحيد إلى سطح القمر, فأصبحت املأ فراغ اختفائها بأدوات الرسم و اللوحات الغير مكتملة, و لسبب مجهول اصبحت غرفتي مرسماً يحوي فراشاً في إحدى زواياه.

و الآن شهاب يفعل الشيء ذاته, يترك فراشه الوثير و غرفته الخاصه ليكون بالقرب من مخلوق بشري آخر…

كيف استطاع العيش وحيداً لعام كامل يا ترى؟

لا بد و انه يكاد ينفجر…

تمدد شهاب في نومه و عقد يديه على صدره كما لو كان يحلم بمناقشة ما مع أستاذ ما. ابتسمت لحظتها لأنني تذكرت استاذ مباديء الرسم و هو يخبرنا “The best model is a sleeping model.”

ففعلت ما كنت أخجل من الإستئذان لفعله منذ أيام: امسكت بدفتري و قلمي و رسمت شهاب.

– – – – –

اقترب الفجر ووجدت نفسي اقاوم التثاؤب لأكمل آخر رسمة سريعة, لكنني لم استطع إنهائها لأن شهاب استيقظ وغير من وضعيته. عرك عينيه وحاول ترتيب شعره بأصابعه قبل ان يلاحظ أنني كنت أراقبه بتمعن, أظنني أثرت ريبته لانه تجمد في مكانه و غمغم “مالأمر؟”

أغلقت الدفتر و تمطيت بكسل. “لا شيء, كنت ارسمك.”

ظننته سيغضب او يشعر بالإحراج, لكنه إبتسم و عاد للإسترخاء على الوسائد. “أوه, حسناً… صباح الخير.”

“صباح النور. هل تشعر بتحسن؟”

“مم…” أغمض عينيه موافقاً, “لا أدري لماذا لا أستطيع النوم جيداً, هذه الأيام…”

شعرت وكأنها غلطتي. “لا عجب, فقد تغيرت الكثير من الأشياء بسببي.”

انتشرت حرارة غريبة في وجهي لانه أخذ ينظر إليّ مطولاً دون أن يتحدث, ثم حين فتح فمه أخيراً قال بهدوء. “بعض التغيير مفيد.”

لم استطيع التفكير بأي رد على جملته الغامضة, فلحسن الحظ (؟) فاجأنا رنين هاتف الشقة الذي لم اكن اعلم بوجوده حتى هذه اللحظة. بعد الرنة الأولى نظرت إلى شهاب في تساؤل, ألا ينوي الرد؟

رررن ررن

كان شهاب ينظر إلي بصبر.

ررن ررن

“هل أجيب؟!” سألت وفي قلبي كنت انتظره ان يمنعني من ذلك, لكنه اومأ بالإيجاب.

ررن ررن

قمت عن الطاولة لأجيب, لكنني لم اعتد الإجابه على الهاتف! خصوصاً لو لم اكن أعرف من هو المتصل!

ماذا لو كان شخصاً لا اعرفه؟!

ماذا لو كان شخصاً أعرفه!!!؟

أمسكت بالسماعه بقوة ووضعتها على أذني, لم اجد الشجاعة لأتكلم, و قد آثرت الإنتظار للشخص الآخر للبدء بالحديث, فلو كان رجلاً سأغلق السماعه مباشرة!

اوه لحظة… انا لست في دولتي الأم…

حتى لو كان رجلاً سيتوقع ان احادثه بشكل طبيعي.

ما هو الحديث الطبيعي اصلاً؟!

“نعم؟” تحدثت أخيراً حين طال الصمت.

“ألو؟ من معي؟ سحر؟ حبيبتي إنها أنا! لقد حطت طائرتي متأخرة و أخذني سائق الأجرة إلى الجامعة لكنني لا أعرف اين هو منزلكم! أين شهاب؟”

زفرت في راحه للحظة, فصوت عمتي كان آخر ما توقعته لكن على الاقل هي ليست رجلاً مخيفا!

ثم عادت لي موجة الرعشة و البرد الغريبة, والدة زوجي ستزورنا بعد قليل!

زوجي الذي اتفقت معه اننا لن نكون متزوجين!

“شـ شهاب!” ناديته بهدوء لكنه لاحظ الرجفه في صوتي و أتى سريعاً. “إنها والدتك!”

أخذ شهاب السماعة و حيا والدته ثم استمع لها للحظات. بعد ان اغلق سماعة الهاتف نظر إلي بعطف و ربت على رأسي. “ظننت امراً سيئاً قد حصل, هل والدتي مخيفه لهذه الدرجة؟”

ضحكت بتشنج. “لا! لكن- لكنها لا تدري! أعني… نحن لسنا… كيف اخبرها اننا نعيش معاً كزملاء في مهجع؟!”

هز كتفيه و هرش شعره المتشابك. “ولماذا نخبرها؟” بعدها اخبرني انه ذاهب للخارج ليدلها على الطريق و انه سيعود بعد قليل حين تصل.

خرج الفتى بعد ان ارتدى معطفاً ثقيلاً, دون ان يزيد على ما قاله او يوضح الأمر…

مالذي يعنيه بالضبط؟

هل… هل تراجع عن أمره؟

هل عليّ ان اصبح ربة منزل رائعة كمها؟ في خمس دقائق؟!

شهيق زفير شهيق زفير

حسناً, حسناً… في الوقت الحالي عليّ ترتيب الصالة و صنع الفطور والشاي.

وتغيير ملابسي الملطخة بالالوان و غبار اقلام الرصاص.

وعلي وضع مشابك في كومة القش فوق رأسي.

ماذا اخبرها حين تسألني عن رأيي في ابنها؟!

ماذا لو سألتني عن الحمل و الاطفال؟!

يا إلهي ماذا لو كانت تريدني ان انجب الاطفال اثناء دراستي هنا؟!

لقد شهدت حنين و هي تتعرض للإستجواب على يد والدة زوجها, لكن حنين ممتازة في اللف و الدوران و الإقناع, لا ادري كيف سأتصرف لو ارادت عمتي ان ترى احفادها قبل انتهاء العام!

بالكاد انتهيت من صنع الشاي و ترتيب صينية الفطور حين سمعت صوت المفتاح يدور في القفل يتبعه شهاب الذي دخل مستقبلاً والدته بحفاوة. يبدو انها المرة الأولى التي تأتي عمتي إلى هذه الشقة, فقد كانت تنظر بإعجاب إلى الأثاث و تناسق الالوان. ثم وقعت عيناها عليّ, بشعري المتطاير وعيناي المحاطتان بالسواد و ملابسي التي تعبق برائحة الطبخ.

اخذتني في الأحضان قبل ان استطيع الإستئذان لتغيير ملابسي, ووجدت نفسي احييها بنفس الإهتمام و العنفوان. “كيف حالك يابنتي؟ تبدين مرهقه! الم تنامي طوال الليل؟!”

“غداً إجازة…” همست بتوتر, لقد اصابتني موجة اخرى من أم الركب, والتي هي لمن نساها: شعور غريب يعتريك حين تكون في موقف محرج لا تستطيع الهروب منه.

“أووه صحيح صحيح! لقد كان الأمس إجازة في السعودية ايضاً, انا الآن اعيش اربعه ايام من اجازة نهاية الاسبوع!” ضحكت عمتي و امسكت بيدي بحزم, كما لو كانت تخاف هروبي لو افلتتني. “أعتذر على ازعاجكم في هذا الصباح الباكر, لكنني لم اجد موعداً عند الطبيب سوى اليوم فأتيت على عجل.” اتجهت بنظرها إلى ابنها الذي بدا مسروراً لوجودها حتى اختفت عن وجهه اي آثار للمرض. “لم استطع حجز غرفة في فندق قبل الآن, أتستطيع حجز غرفة في ذلك الفندق الذي نزلنا فيه سابقاً, شهاب؟”

“ولماذا تحجزين في فندق؟ هذه الشقة بما فيها لكِ!”

إبتسمت عمتي بهدوء. “بارك الله فيك, شهاب, لكنك لم تعد عازباً. لا يمكنني إزعاج زوجتك دون إعلام مسبق.”

“انا لا امانع, حياك الله في اي وقت!” أخذتها لتجلس على الكنبة وذهبت لإحضار الفطور. شعرت ان هذا هو ما يفترض بي قوله حتى لو لم اكن متأكده من شعوري تجاه بقائها هنا, و لسبب ما هذا الشعور بالعجز كان مريحاً لانني لن احتاج للتفكير مطولاً فيمَ عليّ قوله و فعله امام والدة زوجي.

“لن أبقى طويلاً.” قالت عمتي و ابتسمت حين اعطيتها فنجاناً من الشاي. “ربما أعود غدا او الذي يليهً, على حسب الفحوصات.”

جلس شهاب بجانبها و على وجهه علامات القلق. “هل انتِ بخير؟”

أومأت برأسها بالإيجاب, وفي ثواني الصمت التي تبعت,كلانا سمعنا الصفير الصادر عن صدرها عند كل زفير.

يبدو أن حالتها أسوأ مما تخيلت…

——-

ملاحظات:

الكاسيوبيا التي ذكرتها سحر في سياق كلامها عن القصه الخيالية, هو إسم لمجموعة ساحرة من النجوم, قد يعرفها بعضكم بإسمها العربي ذات الكرسي.

Series Navigation<< عبر سديم النسر 33عبر سديم النسر 35 >>