عبر سديم النسر 35

This entry is part 35 of 37 in the series عبر سديم النسر

 الفصل الخامس و الثلاثون:

كانت عمتي تغفو في الصاله فأخذت حماماً سريعاً و ذهبت إلى غرفة النوم, كنت في خضم معركة لترويض الاسلاك الشائكة التي اسميها شعر حين فتح شهاب الباب ثم اغلقه بهدوء. “سحر سمعتٍ الصفير في صدرها منذ قليل, صحيح؟”

أبعدت خصلات متموجه عن عيني لأراه بوضوح. “نعم, يبدو ان الوضع صعب…” ثم اخذت ابحث على الطاولة عن مشبك او اثنان.

عقد ذراعيه على صدره و اتكأ على جانب طاولة الزينة حيث اجلس, ادوات تصفيف الشعر التي املكها كانت قليلة لكنها دوماً غير مرتبه مما يوحي بكثرتها. “الجو هناك سيء, الأغبره تتطاير دون انذار مسبق و المدينة جوها مليء بالعوادم والإزعاج.”

“انها ضريبة التقدم.” جررت خصلة من شعري في محاولة لترويضها إلى خط مستقيم لكنها ترفض الإنصياع. بعد برهه لاحظت ان الفتى قد صمت صمتاً طويلاً. “مالأمر؟”

استرخت يداه وبدأ يقلب الامشاط و الدبابيس بسرحان. “أعني… الجو هنا ممتاز أغلب السنة. لو تجاهلتِ موسم العواصف الممطرة, يمكنك القول ان هذا المكان هو الأفضل لشخص مثلها.”

أطفأت مجفف الشعر فوراً. “تريدها أن تسكن معنا؟”

بدا اليأس على وجهه حتى قبل ان يتلفظ بالكلمات. “سحر أعرف ماذا ستقولين لكن فكري في الموضوع قليلاً! لا أتوقع-“

“لحظة لحظة.” حين أغلق شفتيه أخبرته بهدوء. “المنزل منزلك, ووالدتك تستحق الأفضل. أنا أحبها كما لو كانت أختي الكبرى و أتمنى لها الخير, لكن أين ستنام؟” لم يُجب. “لا توجد غرفة أخرى سوى المرسم… لا مانع لديّ من إخراج ما بها لتحويلها إلى غرفة نوم, لكن هذا يعني أنني سأضطر لقضاء وقت أطول في مرسم الجامعة.”

“لا أريد لك ان تضطري لذلك…”

“أدري…” أردت ان أمسك بيده لأطمأنه أنني لن أهاجمه على اقتراحه, لكنني ترددت للحظة, وبسببها تلاشت من قلبي الشجاعة. “ألا توجد شقق أخرى بغرف أكثر؟”

عاد لعقد ذراعيه على صدره, إنه يفعل ذلك دوماً حين يفكر بعمق. “لا أستطيع استئجار شقق أكبر من هذه إلا لو كانت تبعد عن الجامعة ثلاثون دقيقة فما أكثر…”

“ومالمانع؟”

اتسعت عيناه قليلاً. “لا يوجد سبب حقيقي. أعني… حين استأجرت هذه الشقة العام الماضي لم أكن مستعداً لركوب الباص كل يوم و كانت هذه تناسب احتياجاتي. أما الآن…” دفع بنفسه بعيداً عن الطاولة و جلس على طرف السرير. “ألن تمانعي الإنتقال إلى شقة أخرى بهذه السرعة؟”

“طبعاً لن أمانع.” فاجأت نفسي حين قلتها, لم أفكر بما تعنيه تلك الكلمات قبل الآن, لكنني وجدت أن شعوري بالإنتماء لهذا الفتى أقوى من إنتمائي للمرسم… حتى لو لم اكن زوجته حقاً, و حتى لو لم يكن يحبني ففكرة الإنتقال ليست مشكلة طالما كنا معاً.

ماذا يعني ذلك…؟

طأطأ برأسه و حدق بالسجاد الأزرق مطولاً. حين وجدت انه لا ينوي اكمال المحادثه عدت إلى مجفف الشعر حتى أنهيت كل الخصلات العنيدة. انشغلت بترتيب سلك المجفف و إيداع رؤوسه المختلفه إلى مكانها في العلبه فلم الاحظ ان الفتى كان ينظر إليّ في المرآه.

“متى قصصتِ شعرك قصيراً هكذا؟”

مررت أصابعي في الخصلات التي لم تزل دافئة. “لا أتذكر آخر مرة كان طويلاً فيها… ربما في المدرسة المتوسطة.” ضحكت في إحراج. “حين قصصته لأول مرة استهزأت بي البنات, قالوا أنني أصبحت ولداً لأنه كان الأقصر في الفصل…”

“مأساه.”

ضحكت مرة أخرى. “على العكس, كان مريحاً جداً في الغسل و التصفيف, و لم يكن عليّ التمثيل امامهم انني فتاه تهتم بمساحيق التجميل و آخر تقليعات الأزياء او ذلك الممثل الأجنبي ذو العينين الزرقاوتين! أصبحن ينظرن إليّ كفتاه لا تمت للأنوثة بصلة.”

“إنها الحقيقة.”

مططت شفتيّ. “كيف تجرؤ! أنظر إلى هذه الخردة!” أشرت إلى كومة المشابك و المطاطات على الطاولة. “إن لم تكن هذه هي الأنوثة فلستُ أدري ما هي!”

إرتسمت البسمة على شفتيه لبرهه ثم سرعان ما تلاشت حين تذكر ما كان يقلقه منذ قليل. “سأذهب لأجلس عندها قليلاً, يبدو انها لم تنم في الطائرة و انتِ لم تنامي طوال الليل, صحيح؟ إرتاحي قليلاً, سآخذها لموعدها بعد الظهر.”

“سأنام هنا, حسناً؟ حتى لا تكتشف عمتي الأمر…” انتشر الدفء في وجنتيّ لكنه لم يأبه.

“كما تريدين.” قام عن السرير و أخذ جهازه المحمول معه للصاله حيث جلس على الأرض بجانب الكنبة التي رقدت عمتي فيها. كان يجلس هناك في صمت ليكتب تقريراً ما, لكن المشهد انطبع في ذاكرتي كصورة فوتوغرافية تبحث عن عنوان.

أغلقت الباب و الأنوار و صعدت إلى السرير, شعرت كما لو كنت اجلس فوق غيمة كثيفة و أستند على وسائد رخوة كحلوى الخطمي. لم أتوقع أنني سأستطيع النوم, ليس حين اجد رائحته كلما تقلبت –كبخور العود و سائل غسل الملابس- لكنني غططت في نوم عميق لم أستيقظ منه إلا حين قرصني الجوع في العصر.

كانت الصالة مهجورة حين خرجت, رؤية الملاحظة التي اعتدت وجودها على الطاولة اسعدني قليلاً. “ذهبنا للعيادة, تناولي الغداء لو تأخرنا.”

يبدو انني سأفطر غداءاً.

صنعت لنفسي شطيرة و كوباً من القهوة و جلست لأشاهد برنامجاً عن صناعة الفخار على قناة مخصصة للوثائقيات. كنت اسمع الكلمات دون ان افقه معناها وأرى الصور دون ان أتذكر اياً منها, فذهني كان مشغولاً بأشياء أخرى. أخيراً تجاهلت التلفاز و امسكت بهاتفي لأرسل رسالة.

              المرسل: سحر

              العنوان: استيقظت للتو

الرسالة: كيف هي عمتي؟

ارتشفت القهوة و انتظرت بقلة صبر حتى وصلني الرد.

              المرسل: شهاب

              العنوان: Re: استيقظت للتو

الرسالة: في غرفة الفحص, قد تمضي الليلة في المستشفى لو احتاجت المزيد من الوقت…

تلك النقاط الثلاثة اثارت حنقي. لو كان لديه المزيد ليقوله لِم لم يكتبه؟ ولو لم يكن لديه المزيد لِم لا يضع نقطة نهاية سطر عادية؟

              المرسل: سحر

              العنوان: هل آتي؟

الرسالة: (´・ω・`)؟

لم انتظر طويلاً لأحصل على إجابة: لا.

همف.

امضيت النهار في مشاهدة التلفاز و إضافة بعض اللمسات على دفتر رسوماتي ووجدت الوقت الكافي لأنهي لوحة لأستاذ نظرية اللون. غربت الشمس و شهاب لم يعد, لكني كنت قد قررت عدم الإتصال به مجدداً طالما لم يرغب بذلك. أعترف انني غضبت قليلاً, بل ربما لازلت غاضبة! مع أنني لن أستطيع فعل شيء سوى الجلوس و الانتظار, مما قد يزيد التوتر, لكن ربما تمنيت لو أعطاني إجابة أخرى تدلني على ما يفكر به حقاً.

جلست في الصالة في مزاج غريب, كنت أشعر بالفراغ لكني لم ارغب في الرسم. كان لدي الوقت الكافي لأقوم بعمل مفيد لكني لم ارغب في التحرك من مكاني. يمكنني قراءة قصة ما او مشاهدة برنامج ما, لكنني لا أستطيع التركيز.

كم أكره الإنتظار.

قلبت المحطات في التلفاز بسرعة خاطفة علّني اجد شيئاً مسلياً يلهيني عن مزاجي السخيف, توقفت عند برنامج طبخ كانت مضيفته تشرح للمشاهدين كيف هو سهل صنع كعك القرفة و كم هي سريعة طريقة صنع الكريمة المخفوقة المناسبة.

دون ان أسمح لنفسي بالتكاسل, رفعت صوت التلفاز و قفزت إلى المطبخ لأخرج الخلاط من علبته و أتبع أوامر السيدة في التلفاز خطوة بخطوة.

كانت الكعكات الصغيرة في الفرن و الكريمة تتعرض للخفق في الخلاط حين دار المفتاح في قفل الباب الرئيسي. “شهاب؟”

“السلام عليكم.” دخل الفتى وأغلق الباب خلفه بهدوء.

أطفأت الخلاط لأسمع. “وعليكم السلام. أين عمتي؟”

أطلق زفرة طويلة و جلس على الكرسي المرتفع عند جزيرة المطبخ. “لديها المزيد من الفحوصات في الغد, سترقد في المستشفى.”

أمسكت بيده. “هل ستكون بخير؟”

هز رأسه بالإيجاب رغم تعبير وجهه البائس. “إن شاء الله.” شد على يدي قليلاً ثم ارخى أصابعه. “أخيراً استعملتِ الخلاط؟”

إبتسمت. “صنعت كعك القرفة. هل تحب القرفة؟”

“لا أعرف ما هي القرفة أصلاً.”

أمسكت بعلبة مسحوق القرفة ووضعتها تحت أنفه. “إنها هذه.”

“فهمت فهمت, لا اكرهها.”

كانت تلك آخر كلمات تبادلناها لعدة ساعات. تناولنا الكعك في صمت أمام التلفاز, شهاب جلس ليكمل تقريره و أنا امسكت بدفتري و رسمته حين لم ينظر إليّ. أخذ شهاب صينية العشاء للسيد كارتر الذي أتت مدبرة منزله أخيراً, و بعد العشاء أتصل بوالدته ليسألها عن صحتها.

على ما يبدو أنها قد استنشقت بعض الفطريات مما سبب لها حساسية –وهذا أمر خطير لمن هو مصاب بالربو- و رغم أن العلاج قد يستغرق بضعة أيام إلا انها ستكون بخير بإذن الله.

“إنها قلقة.” اخبرني بعد ان انتهت المكاملة. “دوماً تصاب بضيق التنفس لأدنى سبب حين تحتفظ بالهموم لنفسها.”

“تماماً كشخص آخر أعرفه.”

لم يبتسم حتى. “أظنني سأتغيب عن المحاضرات هذا الأسبوع حتى تتعافى. يمكنكِ الذهاب و العودة لوحدك, صحيح؟”

“أنت الذي اقترحت العودة معاً, لا داعي لسؤالي حين تريد تغيير رأيك. لا أمانع أيهما.”

“أحياناً لا أعرف إن كنت حقاً لا تمانعين أو لا تهتمين.” غمغم بصوت خفيض و رمى بهاتفه على الطاولة. “سأذهب للنوم.”

“تصبح على خير.”

“همم…”

جلست لوحدي في الصالة لبضع دقائق, لم احتمل الصمت فانطلقت إلى المرسم و ملأت لوحة تلو الأخرى بانفجارات من كل لون لديّ, الموسيقى الصاخبة في أذنيّ أخذتني إلى عالم آخر من أنهار جارفة بلون غروب الشمس لترمي بي في أمواج متلاطمة من الأخضر الفيروزي. سمائي كانت قرمزية تخللتها نجوم من الفضة, اخترق قلبها إعصار لولبيّ داكن القاع, حمل في احشاءه أشجاراً ميته و منازل محطمة.

في عالم تركه بنو البشر, لا يوجد من يصرخ محذراً من إعصار هائل يتجه نحوه, يقتلع منزله و يرميه بعيداً, ثم يبتلعه بمن معه ليلفظهم إلى حتفهم.

هكذا نحن, صغار و عديمو الأهمية, دوماً نظن أنفسنا أقوى المخلوقات في الوجود…

تركت صحن الألوان و الفرشاة على الطاولة و رميت بثقلي على الأريكه لألتقط انفاسي.

يبدو أني سأكون لوحدي هذا الأسبوع…

من المفترض أن أشعر بالسعاده فهذا ما تتمناه كل فتاة عاشت بين أربعة جدران, لكنني لا أجد سوى غصة في أسفل حلقي تكاد تكتم أنفاسي.

يتبع…

 ———

ملاحظة: لقد وعدت أن أحاول إرسال فصل كل يوم طوال هذا الشهر على أمل إنهاء القصة قبل ان يفقد القراء الإهتمام, لكن في الأيام القادمة و بسبب مناسبة عيد الأضحى المبارك قد لا أستطيع الوفاء بذلك الوعد في الأيام القادمة. سأحاول نشر ما اسعفني الوقت لكتابته حين أعود بإذن الله, شكراً على تشجيعكم الدائم لي و أتمنى لكم عيداً سعيداً و أياماً مليئة بالمسرات ♥

Series Navigation<< عبر سديم النسر 34عبر سديم النسر 36 >>

2 thoughts

  1. ليس وقت عطلتك مازلت هناك كم يوم قبل العيد ( قارئ لا يرحم )
    اتعلمين ايتها المبدعة ان مشاعر سحر تصلني لدرجة اسمع فيها طرقات قلبي
    ماشاء الله
    قصة في غاية التشويق

  2. 0 v 0 ~ كان ذلك فصلا لطيفاً
    مليئا بالدراما الكئيبة .. لكن يحيوي العديد من الألغاز
    أترقب بشدة الفصل القادك !
    رين … عيد أضحى مبارك مقدما ^^
    أحب إطلاعك بأنني لن أفقد الإهتمام وإن انتظرت 6 أشهر xD
    لذا .. اريحي مخيخك حتى تتفرغي لكتابة الباقي

Comments are closed.