عبر سديم النسر 36

This entry is part 36 of 37 in the series عبر سديم النسر

الفصل السادس  و الثلاثون:

لوح الكانفاس كان مليئاً بالألوان لكن عقلي يرفض الإقتناع, كما لو كان يبحث عن لون سقط سهواً من قوس المطر ليضعه في اللوحة.

ماذا لو كان بنو البشر قد اغفلوا لوناً حقاً؟

أعني, العالم أكبر مما نتوقع, لماذا نرضى بسبعة ألوان فقط؟

ثم لماذا نرضى بألوان هذا العالم اصلاً؟

ولماذا نحصر أنفسنا بمحتويات هذا العالم, على اي حال؟ أليست أغلب المخلوقات الأرضية منقرضة؟

ماذا كانت ألوان الديناصورات, مثلاً؟

كيف كان لون السماء أثناء العصر الجليدي؟ هل كانت زرقاء كما هي الآن, أم كانت تعكس لون الثلج الأبيض طوال العام؟

كيف هو ملمس الثلج؟ هل استطيع رسمه؟

ياإلهي! منذ إستيقظت هذا الصباح و الإلهام لا يتوقف عن زيارتي مرة تلو الأخرى!

أستاذ نظرية اللون أعطاني العلامة الكاملة لمشروع هذ اليوم رغم ان اللوحة كانت مليئة بألوان غير متناسقة. “لشجاعتك.” قال لي حينها. أظنه سعد بأنني أخيراً استطعت الخروج عن مجموعة الالوان التي ارتاح لها و جربت ألوان أخرى.

لم أحب اللون الاخضر قط, لكنه اليوم يملأ لوحاتي… لماذا؟

حتى محاضرة اللغه الانجليزية مضت بسرعة لأنني أولاً في مستوى أعلى من أن احضر هذه الدروس, و ثانياً لأنني ملأت دفتر ملاحظاتي برسومات أوليّة لأستاذة اللغة و الطلاب من حولي, و حين رسمت الجميع أخذت ارسم بشراً من مخيلتي.

إنها المرة الأولى التي انخرط فيها برسم البشر دون ان أمحوهم بعذر أن اللوحة لا تحتاجهم.

حتى غدائي كان سريعاً كالبرق, لا أتذكر منه سوى شطيرة طماطم و حليب بالشوكولاته, و الكثير الكثير من خطوط الرصاص على الصفحة الممتلئة. محاضرة تاريخ الفن كانت ممتعة على غير المتوقع, أو ربما كانت كذلك لأن الاستاذ كارتر لم يقطع الدرس ليستفز اي من الطلاب.

لم أصحُ من هذه الحالة الغريبة حتى أصبحت في البيت, أمام لوحتي في المرسم, أستمع لصوت الباب الرئيسي يفتح و يغلق متبوعاً بصوت شهاب. “السلام عليكم.”

كما لو كانت تعويذة سحرية حالمة قد انتهى مفعولها, عدت بعدها إلى العالم الحقيقي الباهت بألوانه, الممل بأحداثه. “وعليكم السلام.” أطللت برأسي خارج الباب لأحيي الفتى. “كيف هي عمتي؟”

كان مشغولاً بخلع حذائه و حين انتهى من ذلك خلع معطفه الذي كان يرتديه, ذو لون أزرق و قماش عازل للرطوبة. “بخير, الحمد لله.”

“هايدي سألتْ عنك, أخبرتها أنك ستتغيب كثيراً هذا الأسبوع.”

“أهاا…” فتح الثلاجة لينظر إلى محتوياتها للحظة, ثم أغلقها دون ان يأخذ شيئاً. “تصبحين على خير.”

“وأنت من اهله…؟” تعجبت من مزاجه الغامض لكني عدت إلى مرسمي حالما أغلق الباب خلفه.

لقد أخبرني أنه سيكون مشغولاً هذا الأسبوع وسأحترم رغبته بإعطائه مساحته الخاصة, فليذهب حيث أراد, متى ما أراد. أعرف انه سيغضب لو حاولت سؤاله عما يزعجه, فالإجابة واضحة, لذلك سأتركه حتى يطمئن على حالة والدته ويعود لطبيعته من تلقاء نفسه.

لوحاتي التي رسمتها تلك الليلة كانت مليئة بالممرضات و الغيوم وسماء عصر الجليد.

يومي التالي لم يكد يكون مختلفاً عن سابقه سوى أن مها قررت مشاركتي الغداء, تحدثت الفتاة كثيراً عن زوجها الشرير الذي يرفض ان تشتري زوجاً من الأحذية من المجمع التسويقي الكبير –رغم ان سعره لم يتجاوز الخانات الثلاث!-  وعن آلة الخياطة التي تدربَت عليها في إحدى ورش العمل و كيف أنها تريد شراء مثلها فحاولت تعليمها بعض الكلمات التي يمكنها قولها للبائعين لمحاولة تخفيض سعر الأشياء. مها لم تتذكر سوى جملة “أريده باللون الزهري.”

كان شهاب في المنزل حين عدت, نائماً على الكنبة في الصالة مع بطانية من الصوف. أغلقت التلفاز و الأضواء و جلست في مرسمي حتى منتصف الليل، نمت ما تبقى من الليل كالجثة الهامدة. لا أعرف مالذي يحصل لكني لا أنوي التوقف و التساؤل في حين يدي تريد الرسم و خيالي يطاوعها.

بالكاد تناولت الطعام في الايام التالية, حتى النوم يأتي بسرعة و يختفي بسرعة في خضم أحلامِ و مخططات لأشياء أريد ان أرسمها.

كان اليوم الجمعة حين خرجت للصالة في الصباح لأجد شهاب يغسل أسنانه و يقف امام التلفاز ليشاهد احوال الطقس لهذا اليوم. “صباح الخير.”

همهم دون ان يفتح فمه و أشار بفرشاته نحو الشاشة, كانت المذيعة الشقراء ببزتها الأنيقة تخبرنا أن المدينة تتوقع أمطاراً غزيرة هذا اليوم مع فرصة لهطول الثلوج.

ثلج! سألمسه أخيراً! سأرسمه!

سأصاب بالبرد!

“ليس لدي ملابس مناسبة للثلج.” مررت أصابعي في شعري لمحاولة تقليل حجمه, وجدت فرشاة قد تعلقت بشعري بسبب جفاف شعيراتها خلف أذني. “أليس عليّ ارتدائ مضرب تنس في قدميّ؟”

ضحكه على سذاجتي كاد يرغمه على ابتلاع معجون الأسنان, حين تمالك نفسه هزّ رأسه نافياً و رفع إصبعه لي لأنتظر دقيقة. ذهب إلى دورة المياة ليبصق ما في فمه و عاد بعد أن تمضمض جيداً. “لو هطلت ثلوجٌ اليوم فلن تكون كثيرة كما تتوقعين, بل في هذا الوقت من العام قد تتجمد الرطوبة حالما تلامس الأرض, فما عليك الإحتراس منه هو الجليد الأسود.”

لم أشرب القهوة بعد ولم أغسل وجهي, فعقلي لم يزل نائماً. “ما هو الثلج الأسود أصلاً؟” تخيلت ندفاً أسوداً يهطل من السماء البيضاء كالرماد, سرعان ما تعلقت الصورة البصرية بعقلي فلم أستطع مقاومة الرغبة برسمها.

“ليس ثلجاً, بل جليد. إنها طبقة من الجليد الأملس لكنها رقيقة, شفافة وزلقة. إنها سبب في الكثير من الحوادث المرورية و إصابات المشاة فانتبهي حين تعبرين الشارع وخذي حذرك من السيارات المنزلقة.” أمسك شهاب بحقيبته ووضع حزامها على كتفه , “قد احضر محاضرات ما بعد الظهر لو قرر الطبيب السماح لها بالخروج اليوم.”

توقفت عن التفكير بضربات الفرشاه على اللوح الأبيض لأستوعب ما قاله. “أوه! رائع! أتعلم, كنت أود زيارتها لكنني لم أجد الوقت…”

رمقني بنظرة غريبة سرعان ما اختفت تحت شعره الأسود و قبعة من الصوف. “مم…”

“هل سألتها إن كانت ستعيش معنا؟”

“فعلتُ… أخبرتني أنها لن تعيش هنا لأننا سنعود للوطن حالما تنتهي دراستنا.”

“أوه, صحيح…” هرشت رأسي وهممت بالذهاب لدورة المياه لأستعد ليومي الدراسي.

“أوه صحيح؟ رائع, ممتاز, شكراً جزيلاً.” انصرف دون أن يزيد على ذلك و صفق الباب خلفه كما لو لم نكن  في مجمع سكني يرقد فيه عشرات الأشخاص.

هففف… لا أطيق صبراً حتى يتلاشى مزاجه السخيف هذا, اشتقت لشهاب الواضح…

يتبع…

ملاحظات: أعتذر مسبقاً عن اي اخطاء, الفصل منتهي من ساعتين لكني بطس انام و ما ابي اخليكم تنتظرون لين بكرة عشان اراجعه XD استمتعوا ♥

Series Navigation<< عبر سديم النسر 35عبر سديم النسر 37 >>

2 thoughts

  1. حرام عليكي الفصل سرييييع لييييييش
    انا لسة كنت بقرأ ومستمتعة ولا هوب خلصت
    هههههه
    على فكرة الفتور او المرحلة الي عم يمرو فيها اثرت فيني صابني توتر من هذا الشهاب
    XD
    ههههههههه بس اكثر شي عجبني الفرشاة الي طلعت في شعرها خخخخخخخخخ
    تخيلت المشهد كممثلين تطلع مشهد كوميدي صامت خخخخ
    ماشاء الله عليكي اختي
    والله قدرتك على التعبير تفوق الوصف
    ربي يوفقك للافضل

  2. يا عيني احلى متعة قراءة وقت محاضرة مهارات الحاسوب
    ا
    وانا لم الحظ اخطاء 🙂
    واحلاظ تتطور شخصية سحر في القصة
    بتعاملها مع شهاب
    اريد قراءة المزيد والمزيد والمزيييد 😀

Comments are closed.