مصاص الدماء ذو الثلاث شامات

فتح فينيس عينيه ببطء حين سمع أزيز باب منزله الرئيسي.

كانت صالته أنيقه يغلب عليها اللون الأبيض و الأحمر, أرائك الجلد بدت تماماً مثل دليل الشراء الخاص بمحل الأثاث, الثريا التي انتصفت السقف عكست خيوط الشمس التي كانت تحاول استراق النظر إلى الغرفة عبر النوافذ الكبيرة.

نهض من مكانه و تمطى قليلاً قبل أن يخطو نحو النافذة و يغلق الستائر. عينيه الزرقاوين دارتا في محجريهما بحثاً عن هاتفه المحمول في خضم الأجساد المتناثرة على أرضية منزله. شعره الذي بدا مسرحاً للتو كان كخيوط الذهب, بشرته الفاتحه تشربت بالحمرة تحت عينيه و على أنفه. مسح الشاب عينيه الناعستين بلطف, تاركاً ليديه الحرية في تحسس الأقراط في أذنيه و حاجبه الأيسر.

“ليلة حافلة؟” خطا شاب قصير القامة ذو شعر أحمر قانِ إلى الصالة و اتكأ على المدخل, عقد ذراعيه على صدره و اجال بنظره على المذبحة. “أتصلت بك تكراراً, لماذا لم ترد؟”

تثائب الشاب ذو الشعر الاشقر, فمه الواسع لم يترك مجالاً لإخفاء أنيابه التي برزت بوضوح مقارنة بباقي أسنانه. “أضعته.”

“تباً, كم مرة عليّ شراء هاتف جديد لك؟” رفع الشاب أطراف بنطاله و خاض وسط الأشلاء الدامية مقلباً هذا و دافعاً ذاك بحثاً عن الهاتف المفقود. “متى كانت آخر مرة رأيته؟”

أزاح فينيس جثة شاب مجهول العمر عن طاولته ليضع قدميه عليها, و رمى بنفسه على أريكة الجلد الذي تلطخ بياضها الناصع باللون القرمزي مكوناً نقشاً لا يمكن إيجاده في دليل الشراء. “لا أتذكر. ماذا حصل لك؟ لقد عدت مراهقاً.”

رفع الشاب الصغير أنفه في إمتعاض و رمى بجثة أخرى جانباً. “لقد قتلني أحدهم بالأمس, طعنني في قلبي بسكين زبدة. لم أستيقظ سوى هذا الصباح.”

ضحك فينيس. “كيف كان وجهك حين أستيقظت في جسد طفل رضيع؟”

“إخرس! لهذا كنت أريد مساعدتك!”

رفع عينيه الزرقاوين لينظر في وجه المراهق المزاجي, “من القاتل؟”

“لا أدري! لقد انتزعت جزئاً من قميصه اثناء عراكنا في المطعم, لربما استطعتَ إيجاده لو كنتَ أجبت عن هاتفك السخيف!” ركل الفتى جثة هامدة عن طاولة القهوة و جلس عليها في بؤس. “لقد سرق خاتمي, فينيس, لقد سرق خاتمي ولن أستطيع التوقف عن الإشتعال مراراً و تكرارً حتى أرتديه من جديد. بعد بضعة ساعات سأصبح بالغاً و سأساعدك في البحث, لكن إن  لم نجده فوراً سأكون كهلاً قبل حلول منتصف الليل!”

“توقف عن البكاء كيربيروس, سنجده.”

“كيف؟ قد يكون السارق يحاول بيعه في هذه اللحظة! أين سنجده؟!”

“قد تجد الإجابة في قوقل.” سرعان ما تلاشت إبتسامته المريرة حين استشاط كيربيروس غضباً و رمى بمنفضة السجائر نحو التلفاز المسطح. بعد أن توقف شظايا التلفاز عن الصراخ التقت عينيهما, إحداهما يكاد ينفجر و الآخر هاديء كما لو كان ينتظر آلة القهوة أن تنتهي من صنع الفطور. “أليس الأمر مضحكاً, أن تكونَ عنقاء بإسم كيربيروس و أكون أنا مصاص الدماء ذو الثلاث شامات, فينيس؟”

“لقد ألقيتَ هذه الطرفة الأسبوع الماضي. هل بدأت ذاكرتك بالتدهور أيها الجد؟” ركل كيربيروس الوسادة الجلدية التي قفزت من مكانها و طارت إلى الجهة الأخرى من الصالة. في مكانها جلس هاتف محمول من طراز حديث ذو شاشة زجاجيه, تراقصت على سطحها رسومات و أحرف معلنة “3مكالمات جديدة. 1 رسالة جديدة.” أبعد الفتى خصلات حمراء عن عينيه ليتفحص الجهاز. “أخيراً, هاهو. لقد أرسلت لك صورة القاتل بآخر ما تبقى لي من قوة قبل أن أموت.” وجدت أصابعه الطريق نحو مجلد الصور بسهولة ثم أعطى الجهاز إلى صاحبه ذو الألف عام, قد يبدو فينيس شاباً لكنه بالكاد يعرف شيئاً عن تقنيات الشباب هذه الأيام. “أنظر.”

إتسعت عينا فينيس و تقلص  بؤبؤ عيناه الزرقاوان. “لا, لا لا لالا… تباً.”

“أتعرفه؟”

“أعرفه… بالأصح أعرفها. إسمع كيربيروس, حين نجد خاتمك –وسنجده- حاول أن تكون أكبر عمراً حين ترتديه في المرة القادمة.”

“مـ ماذا تعني؟ لماذا؟”

“من سرق خاتمك لم يكن لصاً صعلوكاً من أبناء هذا الزمن الباحثين عن الربح السريع. هذه الفتاة سعلاه و قد حاولت قتلي مراراً للحصول على أقراطي.” تحسس بأطراف أصابعه الفضة التي ارتداها في أذنه و حاجبه. “لا أدري مالذي تحاول فعله هذه الخرقاء, لكن لو استطاعت المشي في الشمس و العودة للحياة من جديد سنكون في معضلة كبيرة. من يدري مالجواهر الأخرى التي سرقتها حتى هذا اليوم. للأسف لا أظننا سنجد خاتمك في قوقل.”

“حتى قوقل لن يستطيع إيجاده…” إمتقع وجه كيربيروس قبل أن تظهر بعض التجاعيد الرقيقة حول عينيه. “أغغغغ ظهري…”

إبتسم فينيس. “هل بدأ عمودك الفقري بالتدهور, أيها الجد؟”

إلتقت عيناهما مطولاً حين سمعا أزيز الباب الرئيسي للمنزل.

 

 

 

One thought

  1. الله بجد أسلوب ممتع وقصة جميلة واسلوب رائع متميز جميل وروعة وروعة كمان مرة …:)

Comments are closed.