كرايونكس

دوت شهقة حادة في انحاء الغرفة صحبها سعال رطب و قطرات تتناثر على الأرضية الملساء.

صوت أزيز الإضاءة الكهربائية كان المسموع الوحيد في المساحة الضيقة بين هنا و الباب الحديدي, الماء البارد الذي أحاط بها انفرج ليسمح لساقها المجعده بالخروج. سرت حرقة طفيفة في باطن قدمها حين وضعتها على البلاط البارد و عاد الدم إلى الجريان في عروقها حين دفعت بنفسها خارج الأنبوب المعدني الذي احتواها.

أنبوبها الذي نامت فيه بدا نظيفاً و معقماً تماماً كما اليوم الذي رأته فيه للمرة الأولى. لكن التاريخ الذي توهج على سطحه بأرقام رقمية أخبرها أن اليوم هو الخامس من نوفمبر لعام 2116 بالتقويم الميلادي.

يبدو أنها نامت لفترة أطول من المتوقع…

شعرها الرطب التصق بأسفل ظهرها و أظافرها الطويلة اهترأت اطرافها لطول إهمالها, حلقها الجاف رفض إصدار أي صوت حتى ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة. اشتكت رجليها الألم حين خطت خطواتها الأولى بعيداً عن سريرها المائي مذكرة إياها بتلك الايام التي كانت تتسوق فيها بالساعات دونما راحة.

لامست اطراف اصابعها المرتجفه الباب الحديدي الذي انزلق بصمت ليلفحها بهواء كالصقيع كان قد اجتمع في الممر, على جانبي الممر كانت الجدران من الزجاج المصقول تعكس صورتها. وجهها الذي كان جميلاً حين رأته آخر مرة قد انتفخت عيناه و احاطتهما هالات سوداء يستحيل إخفائها, شفتاها اللتان ناسبهما احمر الشفاه الفاقع امتقع لونهما حتى اصبحا جزءاً من وجهها الأبيض. لطالما تغزل زوجها برجلاها الطويلتان في تلك الاوقات النادرة التي ارتدت فيها حذاء ذو كعب عالٍ, لكن رجلاها اللتان تراهما في الزجاج كانا كأعواد خيزران جافه تكاد تنكسر.

بللت شفتاها الباردتان و دفعت الباب الخشبي في نهاية الرواق بكل ما تستطيعه من قوة. غرفة الإنعاش امامها كانت مهجورة و مظلمة, عبثت بها الرياح و أيدي الزمن حتى أصبحت سجناً مظلماً لا يحمل في طياته سوى الغبار و رائحة الملح و الطحالب. غطت كتفيها بمفرش طاولة الجراحة ذو البقع الداكنه و اكملت طريقها خارج العيادة حتى وصلت إلى غرفة الإستقبال. القبة الزجاجية الي اعتلت المبنى في يوم ما قد تحطمت تاركة في أثرها طريقاً سالكاً للغيوم الرمادية لتلفظ قطرات المطر,إنها تغسل الصقيع عن جلدها والنوم عن عقلها الذي لم يعتد جريان الدم الدافيء في انحاءة بعد.

“هل كنت تحاول عقابي بفعلتك هذه؟” همست للا أحد, صوتها الأجش بدا غريباً حتى لها. “هل هذا هو انتقامك الأخير لما فعلتـُه بابنتنا؟”

إرتجفت حنجرتها بضحكات ترفض الخروج و ارتسمت إبتسامه على شفتيها المتشققتين.

“أيها الرجل البسيط, بل إنها السعادة!”

هذا هو حلم أي عالِم في هذا الوقت من الزمان: القدرة على إحياء الموتى!

تدحرجت قطرة رطبة على جبهتها, مطر دافيء.

هي الشخص الوحيد في هذا العالم الذي استطاع أن يكتشف سر الحياة, أن يوقظ الجسد البارد بعد سنوات من الموت!

إن لم يكن هذا هو العلم, فماذا إذن؟

انزلقت قطرة اخرى على أنفها المستقيم.

هي الشخص الوحيد في هذا العالم الذي لم يتوقف عن التجارب لأعذار واهية, هي الشخص الوحيد في هذا العالم الذي لم يترك لمحدودية العقل البشري أن تمنعه من اكتشاف الحقيقة حتى لو أضطر لقتل طفلته لإيجاد الإجابة!

إن لم تكن هذه هي التضحية, فماذا إذن؟

هي الشخص الوحيد في هذا العالم الذي استطاع الإستيقاظ من الموت بمحض إرادتها!

إن لم تكن هذه هي المعجزة, فماذا إذن؟

تعلقت قطرة بلورية بين رموشها الطويلة.

“ربما أنت أيضاً قد أصبحت رقماً في ملف, ربما أنت أيضاً ترقد في أنبوب رطب في مكان ما.” تلاشى صوتها الرقيق حين انتفض الرعد غاضباً بين طيات الغيوم الحالكة.

فمها المبتسم إستقام بحنق, لأنها تعرف أنه قد كان صديقها العزيز, و جراحاً موهوباً, و زوجها الحبيب, لكنه لم يشجعها يوماً على أبحاثها حتى لحظة وفاتها. لازالت تتذكر برودة التيتانيوم في احشائها حين طعنها بمشرط الجراحة في يوم ميلادها الثالث و الثلاثون, الخامس من نوفمبر من عام 2016.

رمقت الباب الأمامي للعيادة الذي انفلتت بوابته عن مصراعيها, إلى المدينة العظيمة في الخارج بناطحات سحابها الشاهقه و شوارعها الأسفلتيه الملساء.

هي الشخص الوحيد الذي يرى  المستقبل الباهر الآن, حين وصل العلم إلى أقصى مستوياته منذ اكتشاف الدورة الدموية: اسمنت بارد ملتصق بقدميها و شقق سكنية تخلو من البشر.

دوت ضحكاتها في أنحاء العيادة المظلمة: يبدو أنها اخطأت في الحسابات قليلاً, فلم يخطر ببالها أنها في المستقبل ستكون الشاهد الوحيد على نجاحها هذا.

ما معنى الإنجاز إن لم يوجد جمهور ليصفق!؟

4 thoughts

  1. أخيـــــــــرا ريم كتبتي لنا، أصلا نسيت قصص التحدي كلها والثيمات، كالعادة استمتعت باللي كتبتيه، جدا استمتعت…شكرا

  2. زوموو !
    حية بعد ما انقرض البشر !
    اوااه هذا حُزنٌ شديد :”

    القصه جميله كالعادة :$ اسلوبك السلسل ينقل القارئ دون أية تعقيدات :$
    قصة جميله كالعاده، لكن واضح انك ماكتبتي من زمان xD مدري بس احس فيه مثل ماتقولين التناسق النغمي بين الكلمات مفقود ..
    أول كلمات قصصك مثل اغنيه سهلة ومفهومة لكنها تمشي بنمط معين مُتناسق مع الحدث، بطريقة ما التناسق هذا انكسر في هذي القصه xD مو بطريقه سيئه لأنها تظل جميله وجيدة، لكن تلك الأغنية اللي تعودت عليها اختفت بطريقة ما :$

    جيد تابعي وننتظر باقي القصص xD

  3. زوموو !
    حية بعد ما انقرض البشر !
    اوااه هذا حُزنٌ شديد :”

    القصه جميله كالعادة :$ اسلوبك السلسل ينقل القارئ دون أية تعقيدات :$
    قصة جميله كالعاده، لكن واضح انك ماكتبتي من زمان xD مدري بس احس فيه مثل ماتقولين التناسق النغمي بين الكلمات مفقود ..
    أول كلمات قصصك مثل اغنيه سهلة ومفهومة لكنها تمشي بنمط معين مُتناسق مع الحدث، بطريقة ما التناسق هذا انكسر في هذي القصه xD مو بطريقه سيئه لأنها تظل جميله وجيدة، لكن تلك الأغنية اللي تعودت عليها اختفت بطريقة ما :$

    جيد تابعي وننتظر باقي القصص xD
    .
    .
    .
    .

  4. كله كوم و النهاية كوم ثاني
    إن كل التضحيات اللي قدمتها طارت بعد أول خطوة خارج البوابة
    متأكدة إنها بعد مااكتشفت الحقيقة، طلعت قدامها كل الأحداث و الشخصيات اللي ضحت بهم و ماسمعت لنصايحهم

    جميلة جداً 🙂

Comments are closed.