عبر سديم النسر 37

This entry is part 37 of 37 in the series عبر سديم النسر

 الفصل السابع و الثلاثون:

 عطلة نهاية الأسبوع.

لم أزل اسميها الخميس و الجمعة كما اعتدت في وطني, لكنها هنا السبت و الأحد. رغم الإزدحام الخانق في وسط المدينة و كثرة المشاة و الكلاب و الاطفال, إلا ان الجميع يخرجون من منازلهم دون استثناء.

لا استطيع استيعاب فكرة ان شخص ما يستطيع الخروج من منزله للتنزه كل اسبوع, في البداية اعتقدت ان السبب هو ان والدي شيخ كبير, أو ان المدينة التي كنت اسكنها دوماً تعاني الإختناقات المرورية, لكن في الحقيقة انا التي لم تكن تحب الخروج.

شهاب كان يقترح الخروج كل أسبوع منذ أتيت إلى هنا, لكن هذه المرة لم يفعل, بل بالكاد تبادلنا الحديث منذ الأمس. كان الجو جميلاً و السماء زرقاء تخللتها بعض السحب, الهواء الذي انساب من النافذة حمل معه رائحة عشب رطب و بعض عوادم السيارات. رغم هذا الجو الجميل, إلا ان شهاب كان يجلس القرفصاء على الارض امام طاولة القهوة, منهمك في كتابة تقرير او واجب ما. عمتي خرجت من المستشفى هذا الصباح, رحلة العودة إلى الوطن لا تقلع حتى العصر لذلك أتت لتجلس معنا حتى ذلك الحين.

قفزت من سرحاني حين انتهى الإبريق الكهربائي من تسخين الماء, معلناً ذلك بغرغرة مثيرة للتوتر تتبعها صفقة الزر البلاستيكي عائداً إلى وضع الإغلاق بصوت مرتفع. إبتسمت نحو عمتي التي اجفلها الصوت أيضاً, و سكبت الماء الساخن في الكوب لأصنع لها شاياً.

“الحمد لله على السلامة.” جلست بجانبها على الأريكه ووضعت اكواب الشاي على الطاولة امام شهاب. “أعتذر على أنني لم أزرك…”

إبتسامتها كانت حنونة, ربما لو أنني عرفت والدتي, لقلت انها ابتسامه أم. “لِم لم تفعلي؟”

سؤال وجيه… “في الحقيقة… أشعر- أعتقد أنني لستُ… لا أدري, شعرت ان وجودي لم يكن مرحباً له.” أمسكت بكوب الشاي و غمست الكيس الصغير بإهتمام شديد, أستطيع ان أشعر بعينيّ شهاب تتجهان نحوي لكنني تجاهلته تماماً.

“من جعلك تشعرين بذلك؟” إتسعت عيناها السوداوان بدهشة. “هل قال لك شهاب ذلك؟”

“لم أفعل.” غمغم الفتى قبل ان يحول اهتمامه إلى عمله. “إنها تتحاشى الإعتراف بالحقيقة, لقد كانت سعيده بانشغالنا عنها ولم ترد تضييع خمس دقائق من وقتها الثمين في الذهاب للمستشفى لرؤيتك.”

“غير صحيح! أنت الذي كنت تتجاهلني تماماً! و حين سألتك إن كنتُ استطيع زيارتها اخبرتني ألا آتي!”

“متى حصل ذلك؟!” صفق الفتى حاسوبه المحمول بغضب.

“في اليوم الأول أو الثاني! أرسلت لك رسالة أسألك فيها إن كنت استطيع الإتيان و قلت لي: لا. لم تزل الرسالة لديّ إن أردت ان تتأكد بنفسك!”

“يا له من عذر جميل! أولم تستطيعي زيارتها في أي يوم آخر من الاسبوع؟ بالمناسبة, كم لوحة رسمتِ في غضون ذلك, هممم؟” بدا و كأن أصابعه لا تشعر بسخونة كيس الشاي حين عصر محتوياته في الكوب قبل ان يشرب.

عمتي كانت تنظر إلينا باندهاش يخالطه القلق, حين بدا ان المحادثة الغاضبة انتهت دون نتيجه اخبرتنا بلطف. “عموماً, كنت نائمة معظم الوقت, انا سعيده انك استعملت وقت فراغك في إنهاء اعمال الجامعة عوضاً عن مجاملتي. لكنني كنت سأسعد قليلاً لو أنك أتيتِ ولو لمرة واحدة.”

“آسفه…” أردت ان ارتمي في أحضانها و اعتذر منها مراراً حتى تشعر بصدق مشاعري, لكنني لم اعتد ذلك و بعد لحظات, وجدت نفسي اجلس بجانبها لأشرب الشاي كما لو ان الحوار قد انتهى.

 لو كان ما أشعر به الآن لوناً, لقلت أنه كلون زهرة بنفسج مجففة.

“هل انتم هكذا طوال اليوم؟ في شجار او صمت مطبق؟”

إلتقت عينانا في توتر خالطته الصدمة. لقد اعتدت النقاش بشكل حاد مع شهاب لكننا دوماً نصل إلى استنتاج ما أو ينتهي بنا الأمر باعتذار من أحدنا او كلانا. لم افكر في ما يراه الآخرون حين نفعل ذلك. “إنه ليس شجاراً…” إنها ليست كذبة, رغم انها تبدو كذلك. “نحن نتفاهم هكذا, للأسف لقد زوجتِ ابنك فتاة لا تعرف المجاملات.”

“لا تعرف الأصول ايضاً, على ما يبدو.” غمغم الفتى و ارتشف الشاي بوجه ممتعض.

“هل تريدني ان أعتذر لأنني لم أتزوج من قبل؟ ليس لي إخوة لأتصرف معك مثلهم, ولم أضطر للنقاش مع شخص ما حول زيارتي لوالدته قبل الآن!”

وضع شهاب الكوب على الطاولة بإهمال, إنتشرت قطرات الشاي على السطح الزجاجي فصارت كقطع من مرآه تعكس الإضاءة الباهرة على السقف. “ليس عليك النقاش في الموضوع فموقفك واضح! إنه خطأي, اعتقدت انك تهتمين و صدقتك حين اقترحتِ ايجاد شقة أكبر.”

هل هو حقاً غبي لهذه الدرجة؟! “موقفي واضح؟ حقاً؟ إذن أخبرني لأنني لا أعرف مالذي أشعر به الآن! لم تخبرني أنك ووالدتك معرضان لنوبات ربو, حين أردت مشاركتك همومك أخبرتني ألا آتي, أن وجودي غير مهم! أنت لم تكن موجوداً طوال الأسبوع أصلاً, ولو أنني حادثتك على الهاتف لتجاهلتني! أعرفك حين تكون مشغولاً, و أعرف انك ستكرهني أكثر لو أزعجتك بالأسئلة, فتركتك لوحدك!” دفعت بشعري خلف أذني و القيت بنظرة سريعة على الساعه لعل اليوم يسمح لي ببضع ساعات للذهاب إلى المرسم.

“هفف, هكذا انت دوماً. من قال لك انني لا احب الأسئلة؟ انا فقط لا احب الاسئلة التي لا تزيد ولا تنقص! هل تعتقدينني سأرفض الإجابه لو سألتني عن صحة أهم شخص؟!”

“لا أدري, ربما! مزاجك الغبي استمر معك طوال الاسبوع هذه المرة, لم أرد المخاطرة بإزعاج سعادتك فقد تسقط صريعاً في التو واللحظة!”

“إذن لا تقولي شيئاً يا صاحبة مكارم الاخلاق!”

 فاجأتني عمتي حين ضحكت من أعماقها. “الآن أعرف انني لا احتاج للقلق بشأن شهاب بعد اليوم.” ثم انتصبت واقفه لتأخذني بين ذراعيها. “إبني سيء في التعبير عما يريد قوله بالكلمات, و إن لم يستطع التحدث في الأمر فهو يكتمه في صدره حتى يمرض. إنها المرة الأولى التي أراه فيها هكذا.”

زفرت و أحطتها بذراعي. “أدري.”

“أنا هنا, أسمعكم…” تمتم شهاب بامتعاض, لكنه سحب منديلاً و مسح قطرات الشاي من على الطاولة بوجه عبوس.

ضحكت والدته مرة اخرى, هذه المرة أصخت أذني للصوت المرتد بين أضلعها, يبدو ان رئتيها أفضل بكثير الآن. “كوني صديقته, حبيبتي سحر. مهما تناقشتما بحدة, على الأقل ستفهمان بعضكما البعض. إن أسوأ ما يمكن أن يحدث للحب هو ان يتوقف تبادل الكلمات.”

إنتشرت حرارة الخجل في وجنتي وضممتها بشدة. “لا أهتم لكلمات الحب…”

“ليس فقط كلمات الحب, عزيزتي. حين تختفي الرغبة في التواصل, تنتهي العلاقه. حتى لو كنتما تعيشان تحت سقف واحد.”

ذقني كان على كتفها, ذراعاي حول وسطها و يديها الكبيرتين على ظهري; رغم قربها الشديد إلا ان الدفء الذي ملأني كان سببه عينا الفتى الذي يجلس في الجهة الأخرى من الطاولة ناظراً إلي, بكوب من الشاي في يد ومنديل متسخ في الأخرى.

 خرجت عمتي بعدها إلى المطار برفقة شهاب الذي أبى إلا أن يأخذها إلى هناك بنفسه. أظنني فقدت الوعي حالما أغلق الباب خلفهما لأنني استيقظت لاحقاً على صوت الماء يتدفق على ستائر الحمام.  حينها فقط تذكرت انني لم اسمع هذا الصوت منذ ما يقارب الأسبوع. إنه حقاً مجتهد و مجاهد, لكنه سيهلك نفسه لو استمر على هذا المنوال.

راقبت السقف من بين الوسائد المنتفخه على سرير شهاب, رائحته اللطيفه تملأ أنفي و صوت الماء يناغيني كتهويدة تدعوني للعودة إلى النوم. لا أدري متى استوعب عقلي ما تراه عيناي: أن سقف الغرفة البيضاء لم يكن أبيضاً, كان متبايناً بتدرجات مختلفة من الضباب ترصعت بلمعات رسمت بإتقان لتحاكي نجوم الليل.

كم من ليلة أمضاها شهاب مستلقياً هنا, في سرير واسع يقع في قلب شقة يلفها الصمت, محدقاً بنجوم قد ماتت منذ آلاف السنين؟

 توقف هدير الماء,و بعد فترة وجيزة دخل شهاب بهدوء ليأخذ فوطة لتجفيف شعره من الدرج. شعره لم يزل رطباً, لكنه ارتدى قميصاً فضفاضاً لا يناسب لونه الفاقع سرواله الأسود المبقع.

إبتسمت حين رآني مستيقظه وتوقف عن التسلل كاللص. “توجد نقاط بنفسجيه على ركبتيك.” مازحته.

ألقى نظرة على ملابسه قبل ان يغلق الباب بهدوء ويضع الفوطة حول عنقه. “الأكريليك لا يزول أبداً.”ثم وقف أمام المرآه ليجفف شعره. في الضوء الخافت الذي انساب عبر النافذة شعرت بعينيه تنظران إلي في الانعكاس, فجلست مستنده على ظهر السرير لأسمع ما يقول. “من المفترض أن تكون قد صعدت الطائرة الآن, إن شاء الله ستكون في البيت بعد بضع ساعات.”

“إن شاء الله توصل بالسلامه.”

“ممم…” زفر بأسى.

ملأت صدري بشهيق بطيء ثم دفعت بالأغطية بعيدا, خرجت من السرير لأحيطه بذراعي امام التسريحة. ظهره كان دافئاً و حين ضممته, متصلباً, قلبه انطلق ليخفق بسرعه حين لم أبعد ذراعي بسرعه كما اعتدت. “لم أكن سعيده بانشغالك عني, ولم اكن سعيده بمرض والدتك. لكن الرسم هو كل ما استطيع فعله حين أكون وحيدة.” رسمت باستمرار في حصص الفراغ في المدرسة و رسمت لساعات متواصلة بعد ان تزوجَت حنين, كل ما كنت افعله في بيت والدي هو الرسم, لا أعرف غير ذلك.

هبطت يداه الباردتان على رسغي. “فجأه…؟ لكنك لم تكوني لوحدك, كنتُ موجوداً كل يوم.”

إبتسمت, لكنه لا يستطيع رؤيتي حين اكون خلفه, وكنت قد استهلكت الحد الإفتراضي من عدد الثواني المسموح به لاحتضان شخص ما –ثلاث ثوانِ- فتركته. “أن تكون لوحدك هو شيء مختلف عن أن تكون وحيداً.”

استدار ليفاجأني بذراعيه حولي, ضمني إليه بشدة حتى ظننتُ جسمي الضئيل سيصبح جزءاً من جسده, ثم أرخاهما حتى استقرا على أسفل ظهري. رأسه التي وضعها على عاتقي كانت دافئة وتعبق برائحة النعناع وجوز الهند, شعره الرطب التصق برقبتي لكنني لم أقل شيئاً. لم أجرؤ على قول شيء لحظتها لأن اهتزاز كتفيه وتخبط انفاسه لم تكن سوى خير دليل على مدافعته البكاء.

 لقد كنت سعيدة رغم كوني لوحدي لسنوات, لم أعتقد في يوم أن شخصاً ما في هذا العالم كان وحيداً في انتظاري.

يتبع…

==========

ملاحظات: ما اصدق مرت ست شهور من آخر فصل خخخخ *_* شكراً لكل من انتظر الفصول و اعتذر على التأخير XD ان شاء الله الفصول القادمة بتجي اسرع (كم مرة قلت كذا و ما حصل؟ ._. ) هذي المرة بحاول اخلص القصة للنهاية قبل رمضان خخخخ شكراً على المتابعه XD

Series Navigation<< عبر سديم النسر 36

4 thoughts

  1. اشكرك كثيرا على هذه الرواية الاكثر من رائعة لا استطع ان اصف لك كم المشاعر التي خالجتني اثناء قرائتي لها انها اكثر من رائعة اتمنى ان ارى باقي الفصول منها لاني في غاية الشوق لاكمالها متى تكملي كتابتها ؟ارجو لك التقدم اكثر وارجو ان ترسلي الرد علي في الايميل رجاءا

Comments are closed.